تقوى الله تعالى وعلاقتها بالطلاق.pdf




تقوى الله تعالى وعلاقتها بالطلاق

الشيخ السيد مراد سلامة

الخطبة الأولى

أما بعد .................. حديثنا في هذا اليوم الطيب الميمون الأغر عن أمر في غاية الأهمية هو تقوى الله تعالى وعلاقتها بالطلاق وقد يقول أحد الإخوة ما هو علاقة التقوى بالطلاق وهل هناك صلة بينها وبين حدوث الطلاق أو الحد من الطلاق؟

وكيف ربط الله تعالى بين أحكام الطلاق وبين التقوى في آيات القران الكريم؟

أعيروني القلوب والأسماع أيها الأحباب ...................................

أولا: علاقة التقوى بالطلاق:

إخوة الإسلام: إن من يتأمل آيات الزواج والطلاق في القران الكريم يجدها كلها مختومة بالحث على التقوى والتقوى أن يعيش الإنسان مع ربه فيستشعر بأن الله تعالى يراقبه ويسمعه ويعلم سره و علانيته و لأن الزواج و الطلاق يحدث فيهما الخلاف فالله يوصي الطرفين بعدم الظلم و التقوى و من هنا نعلم أيها الإخوة أن الزواج و الطلاق من الأحكام التي ينبغي ألا يكون فيهما تلاعب و ألا يسيء الرجل منزلة القوامة بالأسرة و ألا يظلم المرأة و ألا يهينها أو يحقرها أو يعلقها و على المرأة أن تحترم زوجها و تقدره  

إخوة الإسلام إن المسلم إذا وقف على معنى التقوى رأى بوضوح العلاقة القوية بين وبين أحكام الطلاق إذ أن التقوى هي

 الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل

 وهي كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير.

إذن هي تشمل على الخوف والخشية الذي يجعل المسلم يأتمر بأمر الله وينتهي عنه نهيه ويقف عند حدوده ولا يتعدها فاذا حقق المسلم والمسلم ذلك فان ذلك سيكون سببا من أسباب الحب والألفة والعدل حتى عن الفراق والطلاق فلا ظلم ولا جور ولا ضرر ولا ضرار

ثانيا: غياب التقوى ودور الشيطان في إيقاع الطلاق وفرحه به:

 إخوة الإسلام :و إذا غابت التقوى عن الحياة الزوجية تدخل الشيطان ليهدم عرش الأسرة و يفرق بين الأحبة و يزرع الكره و البغضاء و الشحناء و ينهار بنيان الأسرة و يضيع الأبناء و تضيع الحقوق ..............عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: وَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ - أَوْ قَالَ: فَيَلْتَزِمُهُ - وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ أَنْتَ " ، قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ مَرَّةً: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ([1])

 وفي هذا الحديث بيان تمكن إبليس من بلوغ مقصوده من إغواء بني آدم، كما أخبر الله عز وجل عنه {لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 62]، فيضع عرشه على البحر، ثم يبعث بعوثه منه إلى أطراف الأرض، فلا ينجو منه إلا من قال الله سبحانه وتعالى فيهم: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65)} [الإسراء: 65].

وفي ذلك أيها الأحباب بيان تعظيم أمر الطلاق، وكثرة ضرره، وعظيم الإثم في السعي فيه؛ لِمَا فيه من قَطْع ما أمر الله به أن يوصل، قال الأبيّ: من سعى في فراق امرأة من زوجها؛ ليتزوّجها، هل يمكّن من زواجها، إذا ثبت أنه سعى في ذلك؟ فأفتى بعض أصحابنا بأنه لا يمكّن من زواجها، قال: وهو الصواب؛ لما فيه من تقرير الفساد، قال: والأظهر إذا وقع أن يكون الفساد في انعقاده، فيفسخ قبل العقد وبعده. انتهى بتصرّف.

ثالثا: الوصايا الربانية المتعلقة بالطلاق والتقوى

 أيها الأحباب نقف الأن مع الوصايا الربانية التي تربط بين التقوى والطلاق ...............

الوصية الأولى الأمر بالإصلاح بين الزوجين وأنه يجب على الزوجين أن يحسنوا ويتقوا الله تعالى {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} النساء 128

في هذه الآية الكريمة يؤكد ألله سبحانه على حسن معاملة الزوج لزوجته ويحثه على عدم النشوز و الإعراض عنها كما يحث الزوج على تقوى ألله في زوجته مهما كانت هناك أسباب لذلك وعدم التقصير في حقها الذي شرعه ألله لها في العيش الكريم والمعاملة الحسنة الطيبة وألله سبحانه عليم خبير بمعاملته لزوجته وكذلك معاملة الزوجة لزوجها ولذلك أمرهما بالإصلاح والصلح الذي هو خير من الشقاق والنشوز والفراق الذي يهدم كيان الأسرة التي هي لبنة بناء المجتمع الإسلامي الصالح.

فعلى الرجال والنساء الإحسان في معاملة كلّ منهما للآخر، وأن يتقوا الله ويقيموا حدوده كما أمر، وأن يخافوا يوماً يعرضون فيه على الله فيخبرهم بأعمالهم ويجازيهم كلّ حسب عمله.

 الوصية الثانية وأمر الله سبحانه الرجل بالعدل بين الزوجات وألا يميل إلى واحدة ويترك الأخرى أو الأخريات و {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} النساء 129

. أي مهما حرصتم على العدل فإنكم لا تستطيعون أن تعدلوا بينهن في الميل أو الحب القلبي لأنه لا سلطان لكم عليه .... وبالتالي لو مال قلب الرجل إلى زوجة أكثر من أخرى فلا يُؤاخَذ عليه .. وإنما يُؤاخذ كل المؤاخذة .. إن توسع في الميل والحب للفاضلة على حساب حقوق المفضولة .... فيحمله حبه للفاضلة على هجر المفضولة فيجعلها كالمعلقة؛ لا هي زوجة يُعاشرها معاشرة الأزواج .... يعرف لها حقوقها .... ولا هي مطلّقة عسى الله أن يُغنيها من فضله، فهذا لا يجوز، لقوله تعالى: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} النساء:129.

الوصية الثالثة أن الرجل اذا أراد أن يطلق زوجته أوصاه الله تعالى بأن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه :

معنى ذلك أن الرجل اذا وجد أن العيش مع زوجته قد استحال و أراد أن يطلقها فليتق الله و لينتظر حتى تحيض ثم تطهر ثم يطلقها و الحكمة من ذلك أيها الإخوة حتى لا يشق على المرأة و تطول عدتها قال الله تعالى {ياأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} الطلاق 1 – 2

يا أيها النبي إذا أردتم-أنت والمؤمنون-أن تطلِّقوا نساءكم فطلقوهن مستقبلات لعدتهن -أي في طهر لم يقع فيه جماع، أو في حَمْل ظاهر-واحفظوا العدة؛ لتعلموا وقت الرجعة إن أردتم أن تراجعوهن، وخافوا الله ربكم. لا تخرجوا المطلقات من البيوت التي يسكنَّ فيها إلى أن تنقضي عدتهن، وهي ثلاث حيضات لغير الصغيرة والآيسة والحامل، ولا يجوز لهن الخروج منها بأنفسهن، إلا إذا فعلن فعلة منكرة ظاهرة كالزنى.

وتلك أحكام الله التي شرعها لعباده, ومن يتجاوز أحكام الله فقد ظلم نفسه, وأوردها مورد الهلاك. لا تدري- أيها المطلِّق-: لعل الله يحدث بعد ذلك الطلاق أمرًا لا تتوقعه فتراجعها. فإذا قاربت المطلقات نهاية عدتهن فراجعوهن مع حسن المعاشرة, والإنفاق عليهن, أو فارقوهن مع إيفاء حقهن, دون المضارَّة لهن, وأشهدوا على الرجعة أو المفارقة رجلين عدلين منكم, وأدُّوا- أيها الشهود- الشهادة خالصة لله لا لشيء آخر, ذلك الذي أمركم الله به يوعظ به مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر. ومن يخف الله فيعمل بما أمره به, ويجتنب ما نهاه عنه, يجعل له مخرجًا من كل ضيق.

 الوصية الرابعة : أن الرجل اذا طلق زوجنه طلاقا رجعيا أمره الله تعالى إذا اقتربت العدة من الانتهاء أن يراجع زوجته  أو أن يفارقها دون إضرار بها  فقال سبحانه و تعالى {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُو ا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُو ا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} البقرة 231

 الوصية الخامسة: أوجب الله تعالى للمطلقة قبل الدخول بها نصف المهر وحثهم على العفو و أمرهم  بعدم نسيان الفضل الذي كان بينهم  و أن ذلك اقرب إلى تقواه جل في علاه {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُو ا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} البقرة 237

وإن طلَّقتم النساء بعد العقد عليهن, ولم تجامعوهن, ولكنكم ألزمتم أنفسكم بمهر محدد لهن, فيجب عليكم أن تعطوهن نصف المهر المتفق عليه, إلا أنْ تُسامِح المطلقات, فيتركن نصف المهر المستحق لهن, أو يسمح الزوج بأن يترك للمطلقة المهر كله, وتسامحكم أيها الرجال والنساء أقرب إلى خشية الله وطاعته.

ولا تنسوا -أيها الناس-الفضل والإحسان بينكم، وهو إعطاء ما ليس بواجب عليكم, والتسامح في الحقوق. إن الله بما تعملون بصير، يُرغِّبكم في المعروف, ويحثُّكم على الفضل.

أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم الكريم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.

أما بعد: ............................

 الوصية السادسة: إن طلقها بعد الدخول بها أمره سبحانه أن يمتعها:

أوصاه الله تعالى إذا طلق زوجته أن يمتعها بما يناسب حاله من الغنى والفقر فإن طلقها قبل الدخول وقبل أن يسمى لها مهرا أن يمتعها متاعا حسنا يناسب حالته جبرا لخاطرها وإن طلقها قبل أن يدخل بها وقد سمى لها مهر فجعل متعتها نصف المهر وأمرنا بتقواه جل في علاه و أخبر الله تعالى أن ذلك حقا على المتقين {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} البقرة 241

وللمطلقات متاع من كسوة ونفقة على الوجه المعروف المستحسن شرعًا.حقًا على الذين يخافون الله ويتقونه في أمره ونهيه. (أي لكل مطلقة متاع بالمعروف حقاً على كل متقٍ جبراً لخاطرها، وأداءً لبعض حقوقها..............

ولما بيّن تعالى هذه الأحكام العظيمة المشتملة على الحكمة والرحمة امتن بها على عباده فقال: {كذلك يبين الله لكم آياته} أي: حدوده، وحلاله وحرامه والأحكام النافعة لكم، لعلكم تعقلونها فتعرفونها وتعرفون المقصود منها، فإن من عرف ذلك أوجب له العمل بها ([2])

وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مفوضة أو مفروضا لها، أو مطلقة قبل المسيس، أو مدخولا بها، وهو قول عن الشافعي رحمه الله، واختاره ابن جرير ومن لم يوجبها مطلقا يخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين}. ([3])

و المتعة أيها الأحباب هي: ما يعطيه الزوج ولو عبدا لزوجته المطلقة زيادة على الصداق لجبر خاطرها على قدر حاله" ([4]) ، كما عرفها النووي من الشافعية بقوله:" المتعة اسم للمال الذي يدفعه الرجل لامرأته بمفارقته إياها" ([5])

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا ‌النَّبِيُّ ‌قُلْ ‌لِأَزْوَاجِكَ ‌إِنْ ‌كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب: 28]

فالله-سبحانه وتعالى-طلب في هذه الآية من نبيه -صلى الله عليه وسلم - أن يخيّر نسائه بين البقاء معه أو مفارقته، كما بيّن أنّ التي تفارقه لها المتعة " فتعالين أمتعكنّ "، يقول الشوكاني أمتعكنّ " أي أعطيكنّ المتعة) ([6])

قال تعالى:" ﴿‌يَاأَيُّهَا ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌إِذَا ‌نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب: 49]

عن أبي أسيد - رضي الله عنه - قال: ثم خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشّوط حتى انتهينا إلى حائطين فجلسنا بينهما، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:اجلسوا هاهنا. ودخل وقد أتى بالجونية فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها دايتها حاضنة لها، فلما دخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: هبي نفسك لي. قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة. قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن. فقالت: أعوذ بالله منك. فقال: قد عذت بمعاذ. ثم خرج علينا فقال: يا أبا أسيد اكسها رازقيّين ([7]) وألحقها بأهلها ([8]) .

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا طلق زوجته متّعها بثوبين رازقيين، ولو لم تكن المتعة مشروعة لما فعلها النبي- صلى الله عليه وسلم -، فدلّ فعله - صلى الله عليه وسلم - على مشروعية المتعة للمطلقات.

 وهذا الحسن بن علي رضي الله عنهما متع امرأة عشرين ألفا وزقين من عسل فقالت المرأة متاع قليل من حبيب مفارق ([9])  

وهذا عبد الرحمن بن عوف متع امرأته التي طلق جارية ([10])  .

أخي المسلم: اعلم بارك الله فيك : أنّ المتعة واجبة لكل المطلقات، سواء المفروض لها أو التي لم يفرض لها، وسواء دخل بها أو لم يدخل بها و هذا هو الراي الراجح من أقوال العلماء لورود الدلة على ذلك .

واعلموا عباد الله :  أن المتعة تكون حسب حال الأزواج يسراً وعسراً، ولا ينظر إلى حال الزوجة لأنّ الخطاب القرآني موجه للأزواج، وحال الناس يختلف من شخص لآخر، لذا فإنّ الأمر متروك للاجتهاد، ويترك أمر تحديده للحاكم المسلم.

الوصية السابعة: أمر الله تعالى النساء بالعدة وأمرهن ألا يستهترن بها وحثهن على تقو الله تعالى:

{وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} الطلاق 4)

والنساء المطلقات اللاتي انقطع عنهنَّ دم الحيض؛ لكبر سنهنَّ, إن شككتم فلم تدروا ما الحكم فيهنَّ؟ فعدَّتهنَّ ثلاثة أشهر, والصغيرات اللاتي لم يحضن, فعدتهن ثلاثة أشهر كذلك. وذوات الحَمْل من النساء عدتهن أن يضعن حَمْلهن. ومن يَخَفِ الله, فينفذ أحكامه, يجعل له من أمره يسرًا في الدنيا والآخرة. ذلك الذي ذُكِر من أمر الطلاق والعدة أمر الله الذي أنزله إليكم- أيها الناس-؛ لتعملوا به. ومن يَخَفِ الله فيتقه باجتناب معاصيه, وأداء فرائضه, يمح عنه ذنوبه, ويجزل له الثواب في الآخرة, ويدخله الجنة.

عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» يَعْنِي الْقَلْبَ. ([11])

الدعاء..............................



([1]) - «مسند أحمد» (22/ 275 ط الرسالة):«وأخرجه عبد بن حميد (1033) ، ومسلم (2813) (67)»

([2]) - «تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن» (ص106):

([3]) - مختصر تفسير ابن كثير (1/ 221)

([4]) -الشرح الكبير، أبوالبركات أحمد الدردير، دار الفكر (2/ 425).

([5]) -روضة الطالبين، أبوزكريا محي الدين يحيى بن شرف النووي، المكتب الإسلامي ببيروت 1405 هـ، الطبعة الثانية (7/ 321)

([6]) - الشوكاني، فتح القدير (4/ 316).

([7]) -رازقيّين: الرازقية ثياب من كتان بيض طوال، وقال البعض: هي ثياب يكون في داخلها زرقة. انظر: ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري (9/ 272)، دار الريان للتراث، الطبعة الثانية 1988م.

([8]) -أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق (5/ 2012)، دار ابن كثير، الطبعة الثالثة 1987م.

([9]) - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصداق، باب التفويض (7/ 244)، مكتبة دار الباز 1994م.

([10]) -أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الطلاق، باب ما قالوا في المتعة ما هي (4/ 141)، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى 1409 هـ.

([11]) - رواه الترمذي (1140)، وأبو داود (2134)، والنسائي 7/ 64، وابن ماجه (1971)، وصحح إسناده الألباني في مشكاة المصابيح (3235)





تقوى الله تعالى وعلاقتها بالطلاق.pdf

تعليقات

  1. بارك الله فيكم وزادكم من فضله وعطائه وكرمه فضيلة الشيخ

    ردحذف
    الردود
    1. اللهم امين و جزاكم الله خيرا عل مروركم العطر دمتم بخير و عافية

      حذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطبة فيض الإله بخلق المواساة.pdf

الحقوق العشر للوطن في الإسلام

خطبة الحفاظ على الأوطان من المعاصي التي تدمر البلدان.pdf