إنه الرَّزَّاقُ سبحانه و تعالى


إنه الرَّزَّاقُ سبحانه و تعالى

الشيخ السيد مراد سلامة

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام نعيش اليوم مع اسم من أسماء الله الحسنى إنه الرَّزَّاقُ.......................

إليك أيها المهموم الذي يحمل هم يومه وهم مستقبله .........................

إليك أيها المديون الذي يحمل هم دينه وخوفه من صاحب المال .........................

إليك أيها الفقير الذي يشتكي الغلاء وارتفاع الأسعار ..............................

إليك أيها المريض الذي لا يجد ثمن الدواء .....................................

إليك أيها الغني الذي غره ماله وجاهه .......................................

إليكموا جميعا تعالوا لنعيش مع اسم من أسماء الله الحسنى يتنزل على القلوب بردا وسلاما وأمن وإيمانا يتنزل على القلوب كحبات الندي ليغرس الثقة و اليقين بأن الرَّزَّاقُ هو الله جل جلاله

فمن هو الرَّزَّاقُ؟ وما هي ثمرات الإيمان بذلك؟

 التعريف بالاسم: الرَّزَّاقُ في اللغة مِنْ صيغِ المبالغةِ على وزن فعَّال منِ اسم الفاعل الرازِق، فعلُه رَزَقَ يَرْزقُ رِزْقًا، والمصدر الرِّزْقُ وهو ما يُنتَفعُ به والجمع أرزاق.

وحقيقةُ الرِّزْقِ هو العطاءُ المتجدّدُ الذي يأخذُهُ صاحبُه في كلِّ تقديرٍ يوميٍّ أو سَنويٍّ أو عُمُريٍّ فينال ما قُسِم له في التقديرِ الأزلي والميثاقي.

والرازِقُ سُبحانه هو الذي يَرزُقُ الخلائقَ أَجمعينَ، وهو الذي قَدَّرَ أَرْزاقَهم قَبْلَ خلْق العالمين، وهو الذي تَكفَّلَ باستكمالِها ولو بَعْدَ حينٍ، فلنْ تموتَ نفسٌ إلا باستكمالِ رزقِها كما أخبرنا الصادقُ الأمينُ صلى الله عليه وسلم.

روى ابنُ ماجه، وصححه الألبانيُّ من حديث جَابر رضي الله عنه؛ أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا الله وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ؛ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقوا الله وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ؛ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ".

وُرُودُ الاسْمَين فِي القرآنِ الكريمِ

وَرَدَ الاسمُ مفردًا مَرَّةً واحدةً فِي قولِه تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 58].

وقد قرأ ابنُ محيصن وغيرُه: (الرَّازِقُ). وَوَرَدَ بصيغةِ الجمعِ خَمْسَ مرّاتٍ منها قولُهُ تعالى: ﴿ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المائدة: 114].وقوله سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الجمعة: 11].

قال الخطابي: "هو المُتكفِّلُ بالرِّزقِ، والقائمُ على كلِّ نفسٍ بما يُقيمُها مِنْ قُوتِها، وَسِعَ الخَلْقَ كلَّهم رزقُهُ ورحمتُهُ.

فلم يختصَّ بذلك مؤمنًا دون كافرٍ، ولا وليًّا دُونَ عدُوٍّ.

يسوقُه إلى الضَّعيفِ الذي لا حيلَ له، ولا مُتَكَسَّبَ فيه، كما يسوقُه إلى الجَلْدِ القويِّ ذي المِرَّةِ السَّويِّ، قال سُبْحانَهُ: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ [العنكبوت: 60].وقال تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود: 6]"[15].

وقال الحليميُّ في معنى: "(الرَّازِق): المُفِيضُ على عبادِهِ ما لم يَجْعَلْ لأبدانِهم قوامًا إلا بِهِ، والمُنعِمُ عليهم بإيصالِ حاجتِهم من ذلك إليهم، لئلا تتنغَّصَ عليهم لذَّةُ الحياةِ بتأخُّرِه عنهم، ولا يفقدوها أصلًا لفقدِهم إِيّاهُ".

 أنواع الرزق :

  وكثير من الناس يجهل حقيقة الرزق و يظنه مال فقط  : اعلموا  أن ورِزْقُه لعبادِهِ نوعانِ:

1- رزقٌ عامٌّ شملَ البرَّ والفاجِرَ، والأولينَ والآخرينَ؛ وهو رِزْقُ الأبدان.

2- ورزقٌ خاصٌّ؛ وهو (رِزْقُ) القلوبِ، وتغذيتُها بالعِلمِ والإيمانِ.

والرِّزقُ الحَلالُ الذي يُعينُ على صلاحِ الدِّينِ، وهذا خاصٌّ بالمؤمنين على مراتِبهم منه بحَسبِ ما تقتضيه حكمتُه ورحمتُه"

ثمراتُ الإيمان باسم الرَّزَّاق:

1- إِنَّ المُتفَرِّدَ بالرزقِ هو اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ له، قال عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر: 3].

وقال سبحانه: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [سبأ: 24]، يُنبِّه اللهُ عبادَهُ إلى الاستدلالِ على توحيدِهِ وإفرادِهِ بالعبادَةِ، أَنّه سُبحانه هو المُسْتقلُّ بالخلْق والرِّزقِ لا يُشاركُه أحدٌ في ذلك، وإذا كان كذلك، فليُفرَد بالعبادةِ ولا يُشْرَكَ به غيرُه من الأصنام والأندادِ، ولهذا قال تعالى بعد ذلك: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ؛ أي: كيف تُصرَفون بَعْدَ هذا البيانِ عن عبادَةِ اللهِ وَحْدَهُ.

2- إِنَّ الله عز وجل متكفِّلٌ برزقِ مَنْ في السماواتِ والأرضِ، قال سبحانه: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود: 6].

وقال: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ [العنكبوت: 60].

قال ابنُ كثير: "أي: لا تُطيقُ جمعَهُ ولا تحصيلَهُ، ولا تَدَّخِرُ شيئًا لغدٍ، ﴿ اللَّهُ يَرْزُقُهَا ؛ أي: يُقَيِّضُ لها رزقَها على ضَعْفِها ويُيَسِّره عليها، فيَبعثُ إلى كُلِّ مخلوقٍ من الرِّزْقِ مَا يُصْلِحُهُ حتَّى الذَّرَّ في قرارِ الأرضِ، والطيرُ في الهواءِ، والحيتانُ في الماء"[22].

( اللهم ارزقنا كما ترزق البغاث):

 فما هذا البغاث وما هي قصته؟

البغاث هو فرخ طائر الغراب، فالغراب عندما تفقس البيضة الخاص به يخرج منها البغاث وعندما يكبر يصبح غراباً..ولكن ما الذي يختلف فيه البغاث؟

البغاث عندما يولد مباشرة وهذه - حقيقة علمية لا يكون لونه أسود وإنما شحم جسمه يكون أبيض، فعندما يشاهده الغراب ينكره، ويقول هذا ليس ابني ولا يُطعمه ولا يُشربه ويبعد بعيداً عنه!!

فهذا المسكين الصغير الخارج من البيضة ليس لديه القدرة علي الحركة وبالطبع الطيران، فكيف إذاً سيأكل ويشرب؟ فليس له رزق!! فمن يرزقه؟

لأن والد البغاث لا يُطعمه نتيجه لونه الأبيض فيجعل الله -الرزاق- جسم البغاث يفرز رائحة معينة تجذب الحشرات وهو في عشه، فتأتي إليه أنواع من الديدان والحشرات فيأكلها، ويظل علي هذا الأمر إلي أن يصبح لون ريشة أسود، فيدركه الغراب ويعرف أنه ابنه، وعندما ينمو ريشه تختفي الرائحة النفاذة وترحل عنه الديدان والحشرات ولا تأتي إليه مرة أخري..

فيبدأ الغراب في إحضار الأكل لفرخه الصغير إلي أن تقوي أجنحته وذراعيه ويطير..

إنه الله الرزاق .. رزقك سيأتيك أينما كنت فكما قال النبي صلي الله عليه وسلم: (إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها، ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته).

نعم لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، ولكن أبذل الجهد والعرق وتوكل علي الله واطمئن فرزقك مضمون واجعل علي وجهك بسمة أمل مع الرزاق سبحانه وتعالي.

رزقك سيأتيك  ولن يحول بينك وبينه عدو أو ظالم :

تسخير الله العقرب لدفع أذي الحية عن نائم  :هو المنعم بما يتصور جنسه من العباد ، حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال كنت ضيفاً لبعض القوم فقدم المائدة ، فنزل غراب وسلب رغيفاً ، فاتبعته تعجباً ، فنزل في بعض التلال ، وإذا هو برجل مقيد مشدود اليدين فألقى الغراب ذلك الرغيف على وجهه .

3- إِنَّ اللهَ سُبحانه لم يَخْتصَّ برزقِهِ مَنْ آمن فِي الحياة الدُّنيا، وإنما كان الرِّزقُ فِي الدنيا للجميعِ، للمؤمنين والكافرين، وهذا مِنْ عظيمِ لُطْفِهِ سُبحانه كما قال: ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [الشورى: 19].

وعن أبي موسى الأشعري قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذَىً سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، يَدْعُونَ لَهُ الوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ"[27].

ومعناه أَنَّ الله سبحانه واسعُ الحِلْمِ حتى مع الكافرِ الذي يَنْسُبُ له الولدَ؛ فهو يُعافيه ويرزقُهُ.

4- إِنَّ الله سُبْحانَهُ متحكِّمٌ فِي أرزاقِ عبادِهِ فيجعلُ مَنْ يشاءُ غنيًّا كثيرَ الرِّزْقِ، ويقترُ على آخرين، وله فِي ذلك حِكَمٌ بالغةٌ، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ [النحل: 71]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: 30].

قال ابنُ كثيرٍ: "أي: خبيرٌ بصيرٌ بمَنْ يستحِقُّ الغِنى ومَنْ يستحِقُّ الفَقرَ"[28].

فمِنَ العبادِ مَنْ لا يَصْلحُ حالهُ إلا بالغنى فإن أصابَهُ الفقرُ فسَدَ حالهُ، ومنهم العكسُ ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: 30].

وقال ابنُ كثيرٍ في معنى قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ [الشورى: 27]: "ولو أعطاهُمْ فوقَ حاجتِهم من الرِّزقِ لحملَهُمْ ذلك على البَغْي والطُّغيانِ مِنْ بعضِهم على بَعْضٍ أَشَرًا وبَطَرًا".

5- كثرةُ الرِّزْقِ فِي الدُّنيا لا تدلُّ على محبَّةِ اللهِ تعالى، ولكنَّ الكفارَ لجهلهم ظنُّوا ذلك، قال تعالى عنهم: ﴿ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ: 35 - 37].

فظنَّ الكُفَّارُ والمُترَفونَ أَنَّ كثرةَ الأموالِ والأولادِ دليلٌ على محبَّةِ اللهِ لهم واعتنائِهِ بهم، وأَنَّه ما كان ليُعطيَهُمْ هذا فِي الدُّنيا ثم يعذّبَهُم فِي الآخرة، وقد رَدَّ اللهُ هذا بقوله: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ [المؤمنون: 55، 56]، ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى ، أي: ليسَتْ كثرةُ الأموالِ والأولادِ، هي التي تقرِّبُ مِنَ اللهِ أو تُبعِدُ ﴿ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ، أي: إنما يُقرِّبُ من اللِه الإيمانُ به، وعملُ البِرِّ والصالحاتِ.

6- إِنَّ تقوى اللهِ وطاعتَهُ سببٌ عظيمٌ للرِّزقِ والبَركَةِ فيه، قال سُبحانه عن أهل الكتابِ: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة: 66].

وقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: 96].

وقال جل شأنه: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3]، أي: مِنْ جهةٍ لا تخطر ببالهِ.

وقال سبحانه: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجن: 16].

وتَأَذَّنَ بالزيادةِ لمَنْ شَكَر: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: 7].

7- والعكسُ صحيحٌ أيضًا؛ فإنَّ المعصيَةَ تنقصُ الرِّزقَ والبركَةَ، لأن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعتِه، قال سبحانه: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41].

قيل: الفسادُ فِي البَرِّ القَحْطُ وقلَّةُ النباتِ وذَهَابُ البركةِ، والفسادُ فِي البحر انقطاعُ صيدِهِ بِذنوبِ بني آدمَ.

وقيل: هو كسادُ الأسعارِ وقلَّةُ المَعاشِ.

أقول قولي هذا واستغفر  الله العظيم لي و لكم إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

أما بعد :...................................

10- أعظمُ رزقٍ يَرْزُقُ اللهُ به عِبادَهُ هو (الجَنَّةُ) التي أَعدَّها اللهُ لعبادِهِ الصالحين، وخلق فيها ما لا عينٌ رأَتْ، ولا أُذنٌ سمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ.

وكلُّ رزقٍ يَعِدُ اللهُ به عبادَهُ الصالحين فِي القرآن فغالبًا ما يُراد به الجَنَّةُ كقوله تعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [سبأ: 4]، وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الحج: 58].

وقوله سبحانه: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [الطلاق: 11].

لقد نظر إلينا مخلوق نظرة فاغتنينا، فكيف لو نظر الخالق إلينا؟!

واسمعوا إلى  قصة تلك البنت التقية بنت حاتم الأصم رحمه الله تعالى الذي أراد أن يحج بيت الله الحرام يوماً من الأيام، فجمع أبناءه وقال: إني ذاهب لحج بيت الله، فقال الأولاد: ومن يأتينا بطعامنا وشرابنا؟ فقالت بنت من بناته: يا أبتِ! اذهب لحج بيت الله فإنك لست برازق، وانطلق الرجل، وبعد أيام قليلة انتهى الطعام في بيت حاتم الأصم ، وانطلقت الأم لتأنب هذه الفتاة التقية النقية، وسرعان ما عرفت الفتاة الحل والعلاج، فخلت هذه الفتاة بنفسها لترفع شكواها إلى الرزاق ذي القوة المتين، إلى من يسمع دبيب النملة السوداء تحت الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وفي هذا الوقت كان أمير البلدة يمر على الرعية ليتفقد أحوالهم، وأمام باب حاتم الأصم أحس بعطش شديد، فقال الأمير: ائتوني بكوب من الماء، فدخل شرطي من الشرطة على بيت حاتم الأصم وهو أقرب باب، فأحضروا كوباً نظيفاً وماءً بارداً، فلما شرب الأمير قال: بيت من هذا؟ قالوا: بيت حاتم الأصم ، قال: هذا العبد الصالح؟ قالوا: نعم.

قال: الحمد لله الذي سقانا من بيوت الصالحين، أين هو لنسلم عليه؟ فقالوا: ذهب لحج بيت الله الحرام، فقال الأمير: إذاً حق علينا أن نكافئ أهل بيته في غيبته.

لقد استجاب الله دعاء الفتاة في الحال أليس ربك هو القائل: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ } [الطلاق:2-3].

استجاب الله دعاءها، فأرسل الأمير بكيس مملوء بالذهب وألقاه في بيت حاتم الأصم ، ولكن الرزاق أراد الزيادة، فالتفت الأمير إلى الشرطة من حوله، وقال: من أحبني فليصنع صنيعي، ومن أحبه ومن لم يحبه فسوف يلقي ما معه من مال لعل الله أن يكرمه في أول تشكيل وزاري ليصبح وزيراً، فألقى كل شرطي ما معه من الأموال وامتلأ بيت حاتم بالذهب ودخلت الفتاة التقية النقية تبكي، فدخلت عليها أمها وإخوانها يقولون لها: تعالي! لماذا البكاء؟ لقد امتلأ بيتنا بالذهب وأصبحنا أغنى الناس في البلدة، فنظرت إليهم الفتاة التقية المؤمنة وقالت: لقد نظر إلينا مخلوق نظرة فاغتنينا، فكيف لو نظر الخالق إلينا؟! إنه الرزاق ذو القوة المتين الذي قال وقوله الحق: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ } [الطلاق:2-3].

الصحابة ينفقون أموالهم لثقتهم بأن الرزاق هو الله :

وروي أن زوجة طلحة بن عبيد الله رأت منه ثقلاً فقالت له : مالك لعله رابك منا شيء فنعتبك قال : لا ولنعم الحليلة للمسلم أنت ولكن اجتمع عندي مالي ولا أدري كيف أصنع قالت : وما يغمك منه أدع قومك فاقسمه بينهم فقال : يا غلام عليَّ بقومي . فكان جملة ما قسم أربعمائة ألف (400000) .

وباع أرضًا من عثمان بسبعمائة فحملها عليه فلما جاء بها قال : إن رجلاً يبيت عنده هذه في بيته لا يدري ما يطرقه من أمر الله فبات ورسله تختلف في السكك سكك المدينة حتى أسحروا ما عنده منها فرقوها على الفقراء والمساكين .

الدعاء .......................................


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطبة فيض الإله بخلق المواساة.pdf

الحقوق العشر للوطن في الإسلام

خطبة الحفاظ على الأوطان من المعاصي التي تدمر البلدان.pdf