القول الجلي في بيان اسم الله الولي.pdf
القول الجلي في بيان اسم الله الولي
الشيخ السيد مراد سلامة
الخطبة الأولى
أما بعد: ...........أمة الإسلام حديثنا
في هذا اليوم الطيب الميمون الأغر عن اسم من أسماء الله تعالى الحسنى التي لها
علاقة كبيرة بحيتنا اليومية وحياتنا الأخروية من خلال الاسم الكريم يستشعر المسلم
و المسلمة بالأمن و الأمان و الراحة و الاطمئنان، فمع ذلك الاسم لا خوف و لا حزن،
ولا همٌ ولا نكد، إنه الولي –جلال جلاله –
فما معني الولي؟
وما هي أنواع الولاية؟
وما هو أثر اسم الولي في حياتنا؟
وكيف نكون من أولياء الرحمن؟
أعيروني القلوب والأسماع
..........................
معنى اسم الله الولي:
الولي: هو المُتَوَلِّي لأُمور العوالم والخلائق
جميعاً والقائمُ بها، وقد دل اسم الله "الولي" على تنزيه الله تعالى أن
يكون في ولاية أحد له ما يقتضي الذل، قال تعالى
(وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ
شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ
تَكْبِيرًا) [الإسراء:111]؛ قال الحسن بن الفضل: يعني لم يذل فيحتاج إلى
ولي ولا ناصر لعزته وكبريائه.
وقال الحليمي:”الولي” وهو الوالي،
ومعناه: مالك التدبير، ولهذا يقال للقيِّم على اليتيم: ولي اليتيم، وللأمير:
الوالي.
الولي يخرج عباده من
الظلمات إلى النور
يقول سبحانه و تعالى مبينا فضله على
عباده المؤمنين : قوله تعالى: (اللّهُ وَلِيُّ
الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ)
(البقرة:257).
الولاية و الكفاية و النصرة الربانية ،يقول
تعالى: (وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى
بِاللّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيراً) (النساء:45).
وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا يلي أموركم
وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً ينصركم. أي: فثقوا بولايته ونصرته دونهم. ولا تتولوا
غيره. أو: ولا تبالوا بهم وبما يسومونكم من السوء. فإنه تعالى يكفيكم مكرهم وشرهم.
ففيه وعد ووعيد.
وكفى بالله وليا أبلغ من كفى الله
وليا، أو كفى ولاية الله ; لأن الكفاية تعلقت بذاته من حيث ولايته
وقوله تعالى: (إِنَّمَا
وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ) (المائدة: 55).
وقوله تعالى: (لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ
رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 127).
وقوله تعالى: (وهو الوليُ الحميد) (الشورى: 28).
أنواع الولاية
وقد ذكر العلماء أن ولاية الله تعالى
على نوعين:
الأول: ولاية عامة: بمعنى
تدبيره وتصريفه لجميع الكائنات، وقيامه بأمورهم وشؤونهم، فهو سبحانه خالقهم
ورازقهم ومالكهم.
وهذه الولاية تشمل المؤمن والكافر
والبرَّ والفاجر، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ
وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ [الأنعام:
٦٢]، وأما الولاية
المنفية في قوله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ
الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُم ﴾ [محمد: ١١]،
فهي ليست الولاية بالمعنى العام، بل هذه هي الولاية الخاصة، وهي النوع الثاني، لذلك
يمتنع شرعاً أن يقال: الله ولي الكافرين، لأن هذا الإطلاق ينصرف إلى الولاية بالمعنى
الخاص.
الثاني: ولاية خاصة:
بمعنى النصر والمحبة والتأييد والحفظ والتوفيق والهداية، وهذه الولاية خاصة بعباده
المؤمنين وأوليائه الصالحين، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ
إِلَى النُّور ﴾ [البقرة:
٢٥٧]، وقال تعالى:
﴿
بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾ [آل
عمران: ١٥٠].
من آثار الإيمان باسم
الله “الولي-سبحانه وتعالى-
أولا: أنَّ الله جل جلاله
وليّ الذين آمنوا، أي: نَصِيرُهم وظَهِيرهم؛ يَنْصرهم على
عَدُوهم، وكَفَى به ولياً ونصيراً، فهو السّميعُ لدُعائهم وذِكْرهم، القريبُ منهم،
يعتزّون به؛ ويَسْتنصرونه في قتالهم؛ فينصُرُهم. وجاء في حديث البراء رضي الله عنه
في”غزوة أُحُد” أنّ أبا سُفْيان قال بعد أنْ أُصِيب المسلمون: أفي القوم محمد؟
فقال (أي النبي صلى الله عليه وسلم):”لا تُجيبوه”، فقال: أفي القومِ ابنُ أبي
قُحَافة؟ قال:”لا تُجيبوه”، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إنّ هؤلاء قُتِلوا،
فلو كانوا أحْياء لأجَابوا فلم يملك عمر نفسه؛ فقال: كذبتَ عَدُو الله، أبقى الله
عليك ما يخزيك، قال أبو سفيان: اعْلُ هُبَل، فقال النَّبي صلى الله عليه
وسلم:”أُجِيبُوه”، قالوا: ما نقُول؟
قال: قولوا: الله أعْلى وأجَلُّ، قال
أبوسفيان: لنا العُزَّى؛ ولا عُزَّى لكم، فقال النّبي صلى الله عليه
وسلم:”أَجِيبُوه”، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: “اللهُ مَوْلانا؛ ولا مَوْلى لَكُم"
([1])
وفي هذه الغزوة: تنبيهٌ للمسلمين، وتَحذيرٌ لهم
ولمن بعدهم، وعبرةٌ لمن يعتبر على مرّ العُصُور، أنه بقدر ما يُوافق المسلم كتابَ
ربِّه؛ وسُنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً واعتقاداً، تكونُ له
النُّصْرة والمعونة مِنَ الله جلّ شأنه، وما حصلت تلك الهزيمة في أُحُد إلا بسببِ
معصية الرُّماة؛ ومُخالفتهم لأمرِ نبيهم صلى الله عليه وسلم بترك أماكنهم على
الجبل، بعد أنْ رأوا بشائرَ النَّصر؛ وهرعوا إلى الغنيمة.
قال الإمام ابنُ القيم رحمه الله:
والمقصود أنّه بحسْبِ مُتابعة الرسول؛ تكونُ العزَّة والكفاية والنُّصرة، كما أنه
بحسب متابعته؛ تكونُ الهدايةُ والفلاح والنّجاة، فالله سبحانه علَّقَ سعادةَ
الدّارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهُدى والأمْن،
والفلاحُ والعزَّة، والكفاية والنُّصرة، والوِلاية والتأييد، وطيبُ العيش في
الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذِّلَّة والصَّغَار، والخوفُ والضَّلال، والخِذلان
والشقاءُ في الدنيا والآخرة.([2])
أن المولى تعالى حافظهم
ورازقهم و ها هو الولي
–سبحانه و تعالى يتولى امر هاجر عليها السلام و طفلها الرضيع إسماعيل عليه السلام فعندما
– أمر الله إبراهيم عليه السلام بأن يهاجر من فلسطين مع زوجته هاجر وابنه الرضيع
،إلى وادٍ لا ماء فيه ولا طعام ولا شجر، ولا يوجد فيه أحد من البشر، حتى إذا وصل
إلى ذلك المكان ،ترك زوجته وابنه الرضيع، وترك لهما قليلاً من الماء ،وبعض حباتٍ
من التمر، وعاد بأمر ربه إلى فلسطين، فتبعته أم إسماعيل فقالت: “يا إبراهيم: أين
تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أحد ولا شيء فيه؟!”، قالت ذلك مرارًا،
وجعل لا يلتفت إليها حتى لا يتأثر بالعاطفة ويحن عليهما وينسى أمر ربه، فقالت له:
“آلله الذي أمرك بهذا؟!”، قال: “نعم”، قالت: “إذًا؛ لا يضيعنا”. ([3])
يا لها من كلمة عظيمة تنبئ عن إيمان
عميق، وتوكل عظيم، وثقة لا حدود لها بالولي خالق الأرض والسماوات! حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل
بوجهه البيت ثم دعا الولي الذي لا يضيع ولا يخذل من تولاه: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ
غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ
الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي
وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي
السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ
إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ
اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
(40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ
الْحِسَابُ) (37) :(41)
وها هو الولي جل جلاله يتولى أمر مريم
البتول عليها السلام و يرزقها و يؤيدها
بالمعجزات الباهرات و الحجج القاطعات التي تقطع على المغرضين و المشككين و ترد
عليهم إفكهم قال تعالى : (فحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ
بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ
يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا
تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ
النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا* فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي
عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ
لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)
[مريم: 22: 26]، نعم قري عينا يا مريم ،
لأن الولي سبحانه هو من يتولى أمورك ،إنه هو الولي المالك للأشياء ، المستولى
عليها ، فهو المتفرد بتدبيرها أولا ، والمتكفل والمنفذ للتدبير ثانيا ، والقائم
عليها بالإدانة والإبقاء ثالثا ، هو المتولي أمور خلقه بالتدبير والقدرة والفعل ،
فهو سبحانه المالك للأشياء، المتكفل بها ،القائم عليها بالإبقاء، والمتفرد
بتدبيرها ، المتصرف بمشيئته فيها ، ويجرى عليها حكمه ، فلا والى للأمور سواه ،
والولي سبحانه وتعالى يتولانا برحمته ورعايته دون أي مصلحة أو غرض فهو يواليك
ويحفظك وهو الغني عنك فطاعتك لن تزيد في ملكه ولا في عزته ولا في عظمته بينما
ولاية البشر للبشر نابعة من مصلحة أو هدف معين فشتان بين ولاية الله عز وجل وولاية
البشر. فقد قال عز وجل (إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ
الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) الأعراف 196،
التعبد الدعاء باسم الله
الولي وقوله تعالى: (أَنتَ
وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) (الأعراف:155).
وقوله تعالى: (إِنَّ
وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)
(الأعراف: 196).
وقوله تعالى: (فَاطِرَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي
مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: 101)
من دعاء النبي متوسلاً بهذا الاسم ،عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ،
مَسِّكْنِي بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ» "([4])
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ:
قُلْنَا: عَلِّمْنَا -أَوْ: حَدَّثَنَا- فَقَالَ: لَا أُعَلِّمُكُمْ إِلَّا مَا
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُعَلِّمُنَا:
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ
وَالْجُبْنِ، وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ أَنْفُسَنَا
تَقْوَاهَا، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ،
وَعِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَدَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا". "([5])
عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا قَالَتْ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
قَالَ: عَلَّمَنِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُعَاءَ الْقُنُوتِ فِي
الْوِتْرِ: " اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِيمَنْ
عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ،
وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ
لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ"([6]).
يا ولي نعمتي وملاذي عند كربتي:
لقد نذر الحسن البصري حياته لله ولخدمة
المجتمع, فكان همه الأول الدعوة إلى الله والنصح والإرشاد, فأقبل عليه طلاب العلم إقبالا
عظيما, فذاع صيته واتسعت حلقاته في المسجد حتى لقب بإمام البصرة,
سجل له التاريخ مواقف مشهورة, من اشهرها موقفه
من الحجاج بن يوسف الثقفي, ذلك ان الحجاج بن يوسف لما ولي العراق وطغى وتجبر كان
الحسن البصري احد الرجال القلائل الذين تصدوا لطغيانه وجهروا بين الناس بسوء أفعاله
وصدعوا بكلمة الحق,
فعلم الحجاج أن الحسن يتهجم عليه في مجلس عام,
فماذا فعل الحجاج? دخل الحجاج إلى مجلسه وهو يتميز غيظا وقال لجلسائه :تبا لكم
وسحقا يقوم عبد من عبيد أهل البصرة ويقول فينا ما شاء أن يقول ثم لا يجد فيكم من
يرده أو ينكر عليه, والله لاسقينكم من دمه يا معشر الجبناء, ثم أمر بالسيف والنطع
فاحضر ودعا بالجلاد فمثل واقفا بين يديه
ثم وجه إلى الحسن بعض جنده وأمرهم أن
يأتوا به, وما هو إلا قليل حتى جاء الحسن فشخصت نحوه الأبصار, ووجفت عليه القلوب,
فلما رأى الحسن السيف والنطع والجلاد حرك شفتيه وتمتم بكلمات
ثم اقبل على الحجاج وعليه جلال المؤمن
وعزة المسلم ووقار الداعية إلى الله فلما رآه الحجاج على حاله هذه هابه اشد الهيبة
وقال له: هاهنا يا أبا سعيد، تعال اجلس هنا، فما زال يوسع له ويقول هاهنا، والناس
لا يصدقون ما يرون حتى أجلسه الحجاج على فراشه ووضعه جنبه, ولما اخذ الحسن مجلسه
التفت إليه الحجاج وجعل يسأله عن بعض أمور الدين, والحسن البصري يجيبه عن كل مسألة
بجنان ثابت وبيان ساحر وعلم واسع, فقال له الحجاج: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد,
ثم دعا بغالية (نوع من أنواع الطيب) وطيب له لحيته وودعه.
ولما خرج الحسن من عنده تبعه حاجب
الحجاج وقال له: يا أبا سعيد، لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك، دعاك ليقتلك والذي
حدث أنه أكرمك، وإني رأيتك عندما أقبلت ورأيت السيف والنطع قد حركت شفتيك، فماذا
قلت?
فقال الحسن: لقد قلت: “يا ولي نعمتي
وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته بردا وسلاما علي، كما جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم”.
انظر إلى سيدنا العلاء الحضرمي الذي
أرسله النبي في غزوة من الغزوات وأمره أن يذهب لمكان محدد هو وأصحابه، ويشتد عليهم
العطش، ويتيهوا في الصحراء، والسماء خالية من السحب، وبينما هم كذلك رفع العلاء
يديه وقال "اللهم إني أقسم عليك أن تسقينا، اللهم يا علي يا عظيم يا ولي
المؤمنين أغثنا وأسقينا"، يقسم أصحابه يقولون "فوالله رأينا السحب تتجمع
في السماء حتى شربنا وسقينا، فعدنا إلى أصحابنا نقول لهم إن لم تصدقونا كيف عدنا
إليكم؟"، رجوعنا دليل كاف على ما حدث.
وهذا الصحابي الجليل سيدنا عاصم بن ثابت رضي الله عنه ، أرسله النبي
(ﷺ) ليعلمهم، فغدروا به وأرادوا
أن يقتلوه، فقال "اللهم إني أقسم عليك أن لا يمسني كافر"، فرموه بالسهام
فقتل، فذهبوا ليأخذوا جسمانه من أجل أن يبيعوه لأهل مكة ويأخذوا ثمنه، فأرسل الله
الدبابير تغطي جسمانه، كلما أقتربوا لدغتهم، فقالوا "إذن ننصرف إلى الليل
فتنصرف الدبابير ثم نأخذها ونبيعه".
فما إن جاء الليل حتى أرسل الله سيلا
من الماء فأخذ الجثة واختفت، فقالوا "أقسم على الله فأبر له الله
بقسمه".
"أن نتخلق بأخلاق الولاية لكل مؤمن:
فنتولى أولياء
الله، وعلى قدر ولاية العبد لله تكون ولايتنا له، كما قال تعالى ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ
وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾
(55) سورة المائدة، وتكون لهم المحبة والأخوة والنصرة للمؤمنين حيثما كانوا، ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ
فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء
وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ
الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل
لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ﴾
(75) سورة النساء.
• وإنما يتولى المؤمن المؤمنين بالتزام
توجيه الله في مثل هذه الآية الكريمة، ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
﴾
هذا هو همهم ﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾ هذا
هو عملهم ﴿ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ هذا هو مناهجهم ﴿ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ
اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (71)
سورة التوبة، وليتولى المؤمن إخوانه فليحرص على الإحسان إليهم ومعاملتهم بالجميل، ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ
وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ
وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ (34)
سورة فصلت، وفي حديث عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن من عباد
الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم
من الله، قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال:" هم قوم تحابوا بروح الله
على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور،
لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ الآية: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ
اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾،([7])
• وفي المقابل فإن المؤمن يتبرأ من كل
الولاءات لغير لله ويتبرأ من كل الروابط إذا خالفت الدين:
﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء
إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ (23) سورة التوبة، وفي الحديث المتفق عليه
عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن آل فلان ليسوا
لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها".([8])
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم
الخطبة الثانية
أما بعد:
.....................................
الطريق إلى ولاية الله تعالى:
فإن سألتم عباد الله عن الطريق الموصلة إلى شرف
الولاية فقد أرشدنا من بيده الرشد سبحانه وتعالى إلى سبل تحصيل ولايته وإليكم طرفا
منها فمِنْ أسبابِ ولايةِ اللهِ -عزّ وجلّ-لعبادِهِ مَا يلي:
أولًا: تقوى اللهِ -عزّ
وجلّ-، والإيمان به: قال
تعالى: ﴿أَلَا
إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ
آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:52-63].
قال شيخ الإسلام: فكل من كان مؤمنا
تقيا كان لله وليا.
- قال الحافظ ابن حجر: المراد بولي
الله العالم بالله تعالى المواظب على طاعته المخلص في عبادته.
قال ابن القيم: من أراد السعادة
الأبدية فليلازم عتبة العبودية، ولا تنال الولاية إلا بطاعة الله.
- كيف يكون التفاضل بين أولياء الله؟:
قال شيخ الإسلام: وإذا كان أولياء الله هم المؤمنين المتقين
فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته
لله تعالى، فمن كان أكمل إيمانا وتقوى كان أكمل ولاية لله. فالناس متفاضلون في
ولاية الله عز وجل بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى.
ثانيًا: التقرّبُ إلى الله
بالحفاظِ على الفرائِضِ، والإكثارِ من النَّوَافِلِ،
جاء في الحديث القدسيِّ: "مَن عادى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ،
وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممّا افْتَرَضْتُ عليه، وما
يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتّى أُحِبَّهُ فإذا أحْبَبْتُهُ
كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ
الَّتي يَبْطِشُ بها ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ
ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ"
ثالثًا: اتّباعُ السُّنَّةِ،
وحُسنُ الاقتداءِ، ولزومُ جماعةِ المسلمينَ وإمَامهم،
قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ
وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾[النساء:115].
"وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ
تَوَلَّيْتَ"إِنَّ أَلْصَقَ صِفَةٍ بالعبدِ هي الضَّعْفُ، قَال تَعالَى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾[النساء
رابعًا: الدُّعَاءُ، فقد كانَ مِنْ دعاءِ النبيّ
-صلى الله عليه وسلم-: واعلموا أن العبدُ
في جميعِ أحوالِهِ يَحتاجُ إلى الوليِّ الذي يَرْعَاهُ، ويُدَبِّرُ شؤونَهُ ويقضي
مصالِحَهُ، ويُقَوِّيهِ عندَ النَّوَازِلِ، ويُثَبِّتهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ.
ومتَى كانَ العبدُ فِي ولايةِ اللهِ
-عزّ وجلّ-، كانَ في حِصْنٍ منيع، وَرُكْنٍ شديدٍ، فَلَا يَخْلُصُ إليه شرٌّ، ولا
يَدْنُو منهُ خَوْفٌ أوْ أَذَى، قال سبحانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا
تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ
فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِّنْ
غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾[فصلت:30-32].
الدعاء ..............................................
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق