خطبة لن ينكسر أهل الشام وإن تكالب عليهم اللئام

 




خطبة لن ينكسر أهل الشام وإن تكالب عليهم اللئام

الشيخ السيد مراد سلامة

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وناصر عباد المؤمنين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بذل حياته جهاداًَ ونصرةً حتى أتاه النصر المبين صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه التابعين ومن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين أمَّا بعد :

إنّ المتأمل في حال الأمة اليوم، وما وصلت إليه من القهر والذل ، ربما أصابه اليأس مما وصلت إليه الأمة من الضعف والهوان وتساءل: هل يمكن أن تقوم للمسلمين قائمة، ويعودوا إلى سابق عزهم ومكانتهم وقيادتهم للبشرية؟ بعد أن تكالب عليهم أعداؤهم من كل حدب وصوب؟ هل يمكن أن تعود الأمة إلى عزها وتنفض غبار النوم عنها؟ وهل سيأتي نصر الله عز وجل بعد كل هذا الهوان؟ أسئلة مريرة تدل على حالة من اليأس والقنوط تعيشها الأمة من أقصاها إلى أقصاها، لذلك كان من الضروري تسليط الأضواء على هذه الحالة لطرد اليأس وإعادة الأمل إلى قلوب هذه الأمة المباركة المنصورة إلى قيام الساعة، فأقول وبالله التوفيق: لا شك أن كل مسلم يتطلع دائماً إلى نصر الله عز وجل لأوليائه المؤمنين، كيف لا يتطلع وهو يقرأ قول الله وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ} كيف لا يتطلع وهو يقرأ قول الله للمؤمنين:{ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ }كيف لا يتطلع وهو يقرأ قول ربه:{ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءامَنُواْ فِي الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَـٰد }فنصر الله لهذه الأمة نصر قريب، كما قال ربنا: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.

أهل نصر الله موعود أهل فلسطين :

إن الناظر بعين النظر و الاعتبار إلى ما يدور على ثرى أرض العزة و الإباء في غزة العزة قد يصيبه  اليأس و القنوط من الانتصار على ذلك العدو اللدود فالبعض يقول إن اليهود سيقضون على أهل غزة و لن يتركوا منهم شيخا ولا صغيرا و لا امرأة  ،و لكن الحقيقة التي لابد نغرسها في نفوس أبنائنا و نبثها في نفوس هؤلاء المجاهدين أنهم لن ينكسروا و لو اجتمع عليهم من في الأرض جميعا فقد بشرنا رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بذلك لذا قلت في بعض الخطب و الدروس" لو لم يبق من أهل الشام إلا امرأة حامل لأخرج الله تعالى من بطنها من يحمل راية الجهاد و يظهره الله على هؤلاء يهود " و إليك البيان من سنة النبي العدنان – صلى الله عليه و سلم – عن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ([1])

عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين قال وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من يخذلهم حتى يأتي أمر الله ([2])

و هذه الطائفة المنصورة قد حدد النبي – صلى الله عليه و سلم مكانها في حديث  ثوبان مرفوعا .: " لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين ، لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله و هم كذلك ، قالوا : و أين هم ؟

 قال : ببيت المقدس و أكناف بيت المقدس " .([3])

عن جبير بن نفير أن سلمة بن نفيل أخبرهم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني سئمت الخيل ، و ألقيت السلاح و وضعت الحرب أوزارها ، قلت : لا قتال ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : الآن جاء القتال لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يرفع ( لعل الصواب يزيغ ) الله قلوب أقوام يقاتلونهم ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله عز وجل وهم على ذلك ألا إن عقر دار المؤمنين الشام والخيل معقود في ناصيتها الخير إلى يوم القيامة )([4])

 و لقد تكفل الله تعالى لأهل الشام بالنصرة و التأييد على عدوهم عن عبد الله بن حوالة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ستجندون أجنادا جندا بالشام وجندا بالعراق وجندا باليمن قلت يا رسول الله اختر لي قال عليكم بالشام فمن أبى فليلحق بيمنه وليسق من غدره فإن الله عز وجل تكفل لي بالشام وأهله ([5])

عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه و بينا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي فظننت إنه مذهوب به فاتبعته بصري فعمد به إلى الشام ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام([6])

عن سالم بن عبد الله عن أبيه صلى رسول الله (r ) الفجر ثم أقبل على القوم فقال اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مدنا وصاعنا اللهم بارك لنا في حرمنا وبارك لنا في شامنا فقال رجل وفي العراق فسكت ثم أعاد قال الرجل وفي عراقنا فسكت ثم قال اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مدنا وصاعنا اللهم بارك لنا في شامنا اللهم اجعل مع البركة بركة والذي نفسي بيده ما من المدينة شعب ولا نقب إلا وعليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا عليها ([7])

و لقد وُضع عمود الكتاب و الإيمان بتلك البقعة المباركة من بلاد الشام و ها هو عليه الصلاة والسلام- يخبرنا بنبأ ذلك  عن عبد الله بن حوالة أنه قال يا رسول الله اكتب لي بلدا أكون فيه فلو أعلم أنك تبقى لم اختر على قربك قال عليك بالشام ثلاثا فلما رأى النبي ( r ) كراهيته للشام قال هل تدرون ما يقول الله عز وجل يقول يا شام يا شام يدي عليك يا شام أنت صفوتي من بلادي أدخل فيك خيرتي من عبادي أنت سيف نقمتي وسوط عذابي أنت الأندر واليك المحشر ، ورأيت ليلة أسري بي عمودا أبيض كأنه لؤلؤ تحمله الملائكة قلت ما تحملون قالوا نحمل عمود الإسلام أمرنا أن نضعه بالشام وبينا أنا نائم رأيت كتابا اختلس من تحت وسادتي فظننت أن الله تخلى من أهل الأرض فأتبعت بصري فإذا هو نور ساطع بين يدي حتى وضع بالشام فمن أبى فليلحق بيمنه وليستق من غدره فان الله قد تكفل لي بالشام وأهله([8])

عن عبد الله بن عمر ( t) قال: قال لنا النبي (r ) يوما إني رأيت الملائكة في المنام أخذوا عمود الكتاب فعمدوا به إلى الشام فإذا وقعت الفتن فان الإيمان بالشام ([9])
عن سالم بن عبد الله عن أبيه (
t) قال: قال رسول الله (r ) ستخرج نار في آخر الزمان من حضر موت تحشر الناس قلنا فماذا تأمرنا يا رسول الله قال عليكم بالشام

 و الملحمة الأخيرة التي سيمكن الله تعالى فيها للأمة الإسلامية ستجري أحدثها على ثرى أرض الشام عن أبي الدرداء (t) أن رسول الله (r) قال فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام وفي رواية ثانية قال سمعت النبي ( r ) يقول يوم الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرض يقال لها الغوطة فيها مدينة يقال لها دمشق خير منازل المسلمين يومئذ ([10])

عن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ينزل عيسى بن مريم عليهما السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق ([11])

و هم الوفد الذي سيبعثه الله تعالى لتأييد دينه و نصرة شرعة
عن  هريرة (
t ) أنه سمع رسول الله (r ) يقول إذا وقعت الملاحم بعث الله من دمشق بعثا من الموالي أكرم العرب فرسا وأجودهم سلاحا يؤيد الله بهم الدين ([12])

و فسطاط المعركة الحاسمة سيكون في بلاد الشام في دمشق ،عن عوف بن مالك (t ) قال أتيت رسول الله (r ) وهو في بناء له فسلمت عليه فقال عوف قلت نعم يا رسول الله قال ادخل فقلت كلي أم بعضي قال بل كلك قال فقال لي اعدد عوف ستا بين يدي الساعة أولهن موتي قال فاستبكيت حتى جعل رسول الله (r ) يسكتني قال قل إحدى والثانية فتح بيت المقدس قل اثنين والثالثة فتنة تكون في أمتي وعظمها والرابعة موتان يقع في أمتي يأخذهم كفعاص الغنم والخامسة يفيض المال فيكم فيضا حتى أن الرجل ليعطى المائة دينار فيظل يسخطها قل خمسا والسادسة هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر يسيرون إليكم على ثمانين راية تحت كل راية ثمانين ألفا فسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها الغوطة فيها مدينة ويقال لها دمشق  ([13])

يا ليت رجالنا كنسائهم

 

في عام ٣١هجرية‍ أرسل عثمان بن عفان جيش بقيادة حبيب بن مسلمة الفهري لفتح أرمينيا ، والتقى جيش المسلمين الذي لا يتجاوز الثمانية ألاف مع جيش الروم الذي تجاوز الثمانين ألف عند منطقة قليقلا , وقبل أن تبدأ المعركة ، وقف حبيب بن مسلمة يحمس الجيش , ويحثهم على الجهاد والاستشهاد في سبيل الله , ويطلب منهم دك معاقل الروم .

 

وأثناء حديثه خرجت له زوجته أم عبيد الله بنت يزيد الكلبية رضي الله عنها , وكانت قد ارتدت ملابس الحرب , فقد كانت جنديه ضمن هذا الجيش , وكانت دائماً ما تجاهد في صفوف المسلمين الأولى .

وحينما كان حبيب يحمس جند الله , إذا بزوجته تسأله سؤالٌ , فقد قالت له : يا حبيب , أين ألقاك إذا حمي الوطيس , وماجت الصفوف ؟!

فأجابها قائلا : تجديني بأذن الله في خيمة الموريان قائد الروم , أو في الجنة .

بدأت المعركة الشرسة ؛ وأبلى المسلمون فيها بلاءً حسنًا , وفي الليل حمي وطيس المعركة أكثر وقاتل حبيب ومن معه ببسالة منقطعة النظير ، وافترق حبيب عن زوجته ؛ وحقق انتصاراً عظيماً علي جموع الروم .

ثم انطلق رضي الله عنه مسرعاً نحو خيمة قائد الروم ليعلن النصر منها ؛ وينتظر زوجته كما وعدها , وما أن وصل حبيب إلى الخيمة حتى كانت المفاجأة حيث وجد فارساً ملثماً قد سبقه إلى الخيمة , وعندما اقترب منه وكشف عنه اللثام إذا بها زوجته قد سبقته قبل أن يسبقها ؛ وانتظرته قبل أن ينتظرها .

عبرة :

يا سادة , لقد عبَر حبيب رضي الله عنه عن النصر علي الأعداء بالوصول إلي خيمة الموريان قائد الروم باعتبار أن الوصول إلي مقر القائد يعني هزيمة الأعداء , وقد جعل لزوجته موعداً في الدنيا إن انتصروا علي الأعداء , وهو اللقاء في مقر قيادة جيش الأعداء , وجعل لها موعداً في الآخرة إن ظفر بالشهادة , وهو اللقاء في الجنة , وهذا دليل واضح علي أن من صفات الجيل الرباني أنهم يجعلون هدفهم إحدى الحسنيين : إما النصر علي الأعداء , وإما الظفر بالشهادة في سبيل الله .

{ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ }

أمَّا عن مستقبل هذه الأمة فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن المعركة الفاصلة مع اليهود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ(( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ))مسلم.



[1] - أخرجه البخاري ح 7311 و

[2] - اخرج الترمذي ح 2229 و صححه الألباني في صحيح الترمذي

[3] -قال الشيخ الألباني رواه عبد الله بن الإمام أحمد في " المسند

[4] -أخرجه أحمد ح 17006و صححه الألباني في الصحيحة ح 1961

[5] -أخرجه أحمد ح 20371و صححه الألباني في فضائل الشام ودمشق - (ص 5)و قال صحيح

[6] -أخرجه أحمد ح 21781 و قال الارنؤوط إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح

[7] - أخرجه أحمد ح 6064 و قال شعيب الارنؤوط مسند أحمد بن حنبل - (ج 2 / ص 124) صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير بشر بن حرب الأزدي روى له النسائي وابن ماجة وفيه ضعف وأخرج و قال الألباني في فضائل الشام ودمشق - (ج 1 / ص 9) إسناده صحيح

[8] -  قال الشيخ الألباني حديث صحيح دون قوله يا شام يا شام يدي عليك يا شام وقوله أنت سيف نقمتي وسوط عذابي أنت الأندر

[9] -و قال الألباني في  فضائل الشام ودمشق - (ج 1 / ص 12) صحيح

[10] -. أخرجه أبو داود 2 / 210 ، والحاكم 4 / 486 ، وأحمد 5 / 197 ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وأقره المنذري 4 / 63 ، وهو كما قالوا

[11] - أخرجه مسلم ح 2937و أحمد ح 17666

[12] -أخرجه ابن ماجه ح 4090 وقال الألباني في فضائل الشام ودمشق - (ج 1 / ص 21) (حسن )

[13] - أخرجه أحمد ح 24031 وقال الألباني في فضائل الشام ودمشق - (ج 1 / ص 23) صحيح

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطبة فيض الإله بخلق المواساة.pdf

الحقوق العشر للوطن في الإسلام

خطبة الحفاظ على الأوطان من المعاصي التي تدمر البلدان.pdf