الإكليل في بيان حكم التقبيل

تقبيل يد ورأس العلماء، والكبراء، وأهل الفضل والصلاح من الرجال([1])

الشيخ السيد مراد سلامة

ما بين الفينة و الاخرى تظهر مسائل تثار حولها الاختلاف و الانتقاد ما بين مؤيد و ما بين معاضر و من تلك المسائل { تقبيل يد ورأس العلماء، والكبراء، وأهل الفضل والصلاح من الرجال}

و في هذا البحث نتكلم عن بيان الحكم الشرعي في تلك المسألة و بيان مذاهب اعلم بارك الله فيك انه يجوز تقبيل يد ورأس العالم، والصالح، والحاكم العادل، والأعمام، والأخوال، والقرابات، وذي الشيبة المسلم، من غير اعتقاد أنه ينفع أو يضر.

 ولقد أنكر التقبيل مالك، وأجازه طائفة من أهل العلم.

أدلة من أجاز التقبيل :

عن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: قال يهودي لصاحبه: "اذهب بنا إلى هذا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن تسع آيات بينات، فذكر الحديث إلى قوله: قبلا يده ورجله، وقالا: نشهد إنك نبي( [2])

عن ابن عمر رضي الله عنهما أنهم لما رجعوا من الغزو حين فروا فَقَالَ: " مَنِ الْقَوْمُ؟ " قَالَ: فَقُلْنَا: نَحْنُ الْفَرَّارُونَ، قَالَ: " لَا بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ، أَنَا فِئَتُكُمْ وَأَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ " قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ حَتَّى قَبَّلْنَا يَدَهُ "([3] )

وقبل أبو لبابة وكعب بن مالك وصاحباه يد النبي صلى الله عليه وسلم حين تاب الله

عليهم" ذكره الأبهري

وقبل أبو عبيدة يد عمر حين قدم.

 وقبل زيد بن ثابت يد بن عباس حين أخذ بن عباس بركابه.

 قال الأبهري وإنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التكبر والتعظم وأما إذا كانت على وجه القربة إلى الله لدينه أو لعلمه أو لشرفه فإن ذلك جائز .( [4])

قال الحافظ ابن حجر  للحافظ أبو بكر بن المقرئ جزءا في تقبيل اليد سمعناه أورد فيه أحاديث كثيرة وآثارا فمن جيدها حديث الزارع العبدي وكان في وفد عبد القيس قال فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجله أخرجه أبو داود ([5] )

ومن حديث مزيدة العصري مثله ومن حديث أسامة بن شريك قال قمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبلنا يده" وسنده قوي

 ومن حديث جابر أن عمر قام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبل يده"

ومن حديث بريدة في قصة الأعرابي والشجرة فقال يا رسول الله ائذن لي أن أقبل رأسك ورجليك فأذن له "

وأخرج البخاري في الأدب المفرد من رواية عبد الرحمن بن رزين قال أخرج لنا سلمة بن الأكوع كفا له ضخمة كأنها كف بعير فقمنا إليها فقبلناها ( [6])

وعن ثابت أنه قبل يد أنس.

 وأخرج أيضا أن عليا قبل يد العباس ورجله .

وأخرجه بن المقرئ وأخرج من طريق أبي مالك الأشجعي قال قلت لابن أبي أوفى ناولني يدك التي بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فناولنيها فقبلتها.

قال النووي: تقبيل يد الرجل لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه أو صيانته أو نحو ذلك من الأمور الدينية لا يكره بل يستحب فإن كان لغناه أو شوكته أو جاهه عند أهل الدنيا فمكروه شديد الكراهة وقال أبو سعيد المتولي لا يجوز ( [7])

  وقال النووي: إن سهل بن عبد الله التُّسْتَري كان يأتي أبا داود السجستاني، ويقول: "أخرج لي لسانك الذي تحدث به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقبله فيقبله"( [8])

عن حامد احمد بن حمدون القصار يقول سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبل بين عينيه وقال دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله " ([9] )

أقوال العلماء في تقبيل اليد والرأس لأهل العلم والفضل والصلاح:

تبن لنا أن التقبيل إنما يكون لسبب عارض أما في الأحوال العادية لا يستحب التقبيل إذا لقي الأخ أخاه، أما تقبيل اليد لسبب عارض، فإن كان للدنيا فإنه مكروه.

وقال سفيان الثوري: أكرهها -تقبيل اليد-على دنيا.

وقال وكيع شيخ أحمد بن حنبل رحمهما الله: إنها -أي: قبلة اليد-صلحت حين قبلت للآخرة، وأنها فسدت حين قبلت للدنيا.

وقال أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-فيما نقله عنه المروذي ، لما سأله عن قبلة اليد، فلم يرَ به بأساً عن طريق التدين، وكرهها على طريق الدنيا، وقال: إن كان على طريق التدين فلا بأس، فقد قبل أبو عبيدة يد عمر ، وإن كان على طريق الدنيا فلا، إلا رجلاً يخاف سيفه أو سوطه.

وكذلك قال حميد زنجويه : ما كان على وجه التملق والتعظيم -أي: المكروه من المعانقة والتقبيل-.

وقال النووي في كتاب الأذكار: إن كانت لغناه ودنياه وثروته وشوكته ووجاهته عند أهل الدنيا ونحو ذلك، فهو مكروه شديد الكراهة، وقال المتولي من أصحابنا: لا يجوز، فأشار إلى أنه حرام، وإذا كان الرجل ظالماً أو مبتدعاً أو كافراً تتأكد هذه الحرمة؛ لأن الواجب هجره أصلاً والإنكار عليه، وليس تقبيل يديه.

وقال سفيان الثوري رحمه الله: تقبيل يد الإمام العادل سنة.

وقال حميد زنجويه : تقبيل اليد لا يستوجبه كل أحد.

وقال بعض أهل العلم: تقبيل يد الظالم معصية، إلا أن يكون عن خوف.

وقال ابن الوردي الشاعر:

أنا لا أختار تقبيل يد قطعها أجمل من تلك القبل

أي: هذه حقها أن تقطع، ربما يكون يد سارق وناهب، فكيف تقبل يده؟! والواجب أن تقطع في الشريعة.

وبعض الناس وخصوصاً الصوفية ورؤساؤهم، عندهم عادة تقبيل اليد، ويتخذونها كبراً وطلباً من الناس، وهذا يدل عليه تصرفاتهم، كما إذا مد يده ليقبلها الناس، تجد بعض شيوخ الصوفية الطرقيين إذا جلسوا في مجلس أو كانوا يمشون، وجاءهم الناس مدوا أيديهم، كأنه يقول: خذ قبل وتبرك وامسح! ويتبين كذلك فعل هؤلاء السفهاء بما إذا استحسنوا من تقبيل يده، تجد أنه إذا قبل شخص أيديهم ابتسموا وأكرموه وأثنوا على فعله، وقال: الله يرضى عليك، المقصود هؤلاء الصوفية ولا أقصد الوالد الذي إذا قبل الولد يده فدعا له فهذا شيء آخر، وكذلك يظهر هذا من تشنيعهم على من لم يقبل أيديهم أيضاً.

حال السلف حول من أراد ان يقبل أيديهم

وكان السلف رحمهم الله بخلاف ذلك، إذا جاء شخص يقبل يده ربما سحب يده، وعندما استأذن رجل الإمام أحمد رحمه الله في تقبيل رأسه، قال: لم أبلغ أنا ذاك، لم أصل إلى درجة أن تقبل رأسي أنا دون ذلك، هذا من تواضعه رحمه الله تعالى،

وفي رواية عبد الله قال: لم أره يشتهي أن يفعل به ذلك، فكان من ورعهم وتواضعهم رحمهم الله أنهم لا يسمحون للناس بتقبيل أيديهم ورءوسهم، ويقولون: نحن أدنى من هذا، وكره أحمد رحمه الله المسح على اليد للتبرك ونحوها، فقال لمن مسح يده عليه عمن أخذتم هذا؟ وغضب ونفض يده.

وقال ابن تيمية رحمه الله: ابتداء الإنسان بمد يده للناس ليقبلوها، وقصده لذلك، فهذا ينهى عنه بلا نزاع كائناً من كان، بخلاف ما إذا كان المقبل هو المبتدئ لذلك، فلا حرج، أما أن يمد يده للناس فهذا مما ينهى عنه.

وأيضاً اعتياد التقبيل حتى لو كان للمشايخ أو أهل العلم، فهذا فيه نظر؛ لأن الصحابة لقوا النبي صلى الله عليه وسلم مراراً وتكراراً، وما نقل عنهم أنهم كلما رأوه قبلوا رأسه ويده.

نعم! قد تأتي العالم في المرة الأولى فتقبل رأسه أو يده، لكنك تأتيه في الدرس الذي يليه ثم الذي يليه ودائماً تواظب على هذه العادة فربما أدى هذا إلى شيء من الغلو.

وكذلك قال ابن مفلح رحمه الله: تقبيل اليد لم يكونوا يعتادونه إلا قليلاً، ومن شعار بعض المبتدعة قرن تقبيل اليد بالمصافحة، فما صافح أحدهم صاحبه إلا قبل كل منهم يد صاحبه.

وهذه أيضاً مسألة لا أصل لها، تجد بعض الناس في بعض الأماكن كلما صافح الأول الثاني هذا يقبل اليد وهذا يقبل اليد الأخرى، وأحياناً يقبل يد نفسه، كأنه يقبل اليد التي لامست يد الآخر، وهذا أيضاً مما لا دليل عليه.

الممنوع من التقبيل :

لا شك أن تقبيل يد ورأس أهل العلم والفضل والصلاح من العلماء، والحكام الأخيار، والأكابر جائز، أما الممنوع المنهي عنه فهو التقبيل لأحد سببين:

1.  الاعتقادات الشركية الفاسدة.

2.  الملق والأغراض الدنيوية.

قال الإمام النووي رحمه الله بعد أن أورد عدداً من الآثار لجواز تقبيل يد العلماء والفضلاء: (وأفعال السلف في هذا الباب أكثر من أن تحصر، والله أعلم)([10])

وقال الحافظ ابن حجر: (قال ابن بطال: الأخذ باليد هو مبالغة المصافحة، وذلك مستحب عند العلماء، وإنما اختلفوا في تقبيل اليد، فأنكره مالك وأنكر ما روي فيه، وأجازه آخرون).

ثم دلل على ذلك، إلى أن قال:

وقال الأبهري إنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التكبر والتعظيم لمن فعل ذلك به فأما إذا قبل إنسان يد إنسان أو وجهه أو شيئا من بدنه ما لم يكن عورة على وجه القربة إلى الله لدينه أو لعلمه أو لشرفه فإن ذلك جائز وتقبيل يد النبي صلى الله عليه وسلم يقرب إلى الله وما كان من ذلك تعظيما لدنيا أو لسلطان أو لشبهه من وجوه التكبر فلا يجوز انتهى كلام المنذري)( [11])

وقال النووي: (إذا أراد تقبيل يد غيره، إن كان ذلك لزهده، وصلاحه، أوعلمه، وشرفه، وصيانته، أونحو ذلك من الأمور الدينية لم يكره بل يستحب، وإن كان لغناه، ودنياه، وثروته، وشوكته، ووجاهته عند أهل الدنيا ونحو ذلك فهو مكروه شديد الكراهة، وقال المتولي من أصحابنا: لا يجوز، فأشار إلى أنه حرام)([12])

وقال ابن أبي زيد القيرواني: (وسئل مالك عن الرجل يقبل يد الوالي أو رأسه، والمولى يفعل ذلك بسيده؟ قال: ليس ذلك من عمل الناس، وهو من عمل الأعاجم.

قيل: فيقبل رأس أبيه؟ قال: أرجو أن يكون خفيفاً.

وسئل في رواية أخرى : هل يقبل يد أبيه أوعمه؟ قال: لا أرى أن يفعل، وإن من العبرة أن من مضى لم يكن يفعل)([13] )

مما يدل على إنكار مالك للآثار المجيزة للتقبيل ما رواه ابن أبي زيد كذلك: (قيـل – أي لمالك -: كان ابن عمر إذا قدم من سفر قبل سالماً، وقال: شيخ يقبل شيخاً؛ فأنكر الحديث، وقال: لا نتحدث بمثل هذه الأحاديث، لا تهلكوا فيها) ( [14])

وقال البغوي: (قال حميد بن زنجويه: قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن المعانقة والتقبيل، وجاء أنه عانق جعفر بن أبي طالب وقبله عند قدومه من أرض الحبشة، وأمكن من يده حتى قبلت، وفعل ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك بمختلف، ولكل وجه عندنا، فأما المكروه من المعانقة والتقبيل فما كان على وجه الملق والتعظيم، وفي الحضر، فأما المأذون فيه فعند التوديع، وعند القدوم من السفر، وطول العهد بالصاحب، وشدة الحب في الله، ومن قبل فلا يقبل الفم، ولكن اليد والرأس والجبهة، وإنما كُره ذلك في الحضر فيما يُرى لأنه يكثر ولا يستوجبه كل أحد، فإن فعله الرجل ببعض الناس دون بعض وجد عليه الذين تركهم، وظنوا أنه قد قصر في حقهم، وآثر عليهم، وتمام التحية المصافحة)( [15])

وقال فضل الله الجيلاني: (لا بأس بتقبيل يد العالم، والمتورع، والحاكم المتدين، والسلطان العادل، وتقبيل رأسه أجود، أي أكثر ثواباً، ولا رخصة فيه لغير عالم وعادل.

وفي "المحيط" إن كان التعظيم لإسلامه وإكرامه جاز، وإن كان لنيل الدنيا كره أوحرم بحسبه، والتقبيل على سبيل البر بلا شهوة جائز بالإجماع، وتقبيل يد نفسه إذا لقي غيره فهو مكروه ولا رخصة فيه.

أما تقبيل يد إنسان ليس عالماً ولا صالحاً ولا عادلاً ولا ممن يرجى صلاحه فمكروه بالإجمـاع) ([16] )

 



[1] - مستلة من كتابي الدرر البهية من آداب و أحكام التحية

[2] - أخرجه الترمذي ح 2733و النسائي ح 4078و الطيالسيي ح 1164 وابن أبي شيبة ح 36543 ضعيف سنن ابن ماجة 3705 " برقم 808

[3] - أخرجه أبو داود ح 2647 والبخاري في الأدب المفرد ح 5223 ووابن الجارود 1050ووأبو يعلى  267 / 2 ، 276 / 1 وضعفه الألباني في المشكاة ح 3958

[4] - فتح الباري - ابن حجر    [ جزء 11 -  صفحة 57 ] 

- [5] أخرجه أبو داود ح5225و الطبراني 418و قال الألباني حسن دون ذكر الرجلين المشكاة 4688

[6] -أخرجه البخاري في الأدب المفرد 973 وحسنة الالباني

[7] - فتح الباري ج 11 ص 56

[8] - الأذكار 236

[9] - تاريخ بغداد ج 13 ص 102 وتاريخ دمشق ج 52 ص 68

[10] - الأذكار ص 236

[11] -  عون المعبود    [ جزء 14 -  صفحة 90 ]  فتح الباري ج 11 ص 56-57

[12] - الأذكار ص234

[13] - الكتاب الجامع ص196

[14] - المصدر السابق

[15] - شرح السنة[ج 12 ص: 292-293]

[16] - فضل الله الصمد [ج 2 ص:44]

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطبة فيض الإله بخلق المواساة.pdf

الحقوق العشر للوطن في الإسلام

خطبة الحفاظ على الأوطان من المعاصي التي تدمر البلدان.pdf