القول السليم لتصحيح المفاهيم.pdf

القول السليم لتصحيح المفاهيم

الشيخ السيد مراد سلامة

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي نوَّر بجميل هدايته قلوبَ أهل السعادة، وطهَّر بكريم ولايته أفئدةَ الصادقين، فأسكن فيها ودادَه، ودعاها إلى ما سبق لها من عنايته، فأقبلت مُنقادة، الحميد المجيد الموصوف بالحياة والعلم والقدرة والإرادة، نحمَده على ما أَولى من فضل وأفادَه، ونَشكُره معترفين بأن الشكر منه نعمةٌ مُستفادة.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، شهادة أَعُدُّها من أكبر نِعَمه وعطائه، وأَعُدُّها وسيلة إلى يوم لقائه.

وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، الذي أقام به منابر الإيمان ورفَع عماده، وأزال به سِنان البهتان ودفَع عناده.

وشفِّع فيَّ خيرَ الخلائق طُرًّا      نبيًّا لم يزل أبدًا حبيبَا

هو الهادي المشفَّع في البرايا      وكان له رحيمَا مُستجيبَا

عليه من المهيمن كلَّ وقت      صلاةٌ تَملأ الأكوان طِيبَا

وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه وتمسَّك بسنته، واقتدى بهدْيه، واتَّبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ونحن معهم يا أرحم الراحمين؛ أما بعد:

أيها المسلمون: من الأمور المهمة التي جاء بها الشرع القويم تصحيح التصورات والمفاهيم، وتخليصها من رواسب الاعتقادات الجاهلية البائدة، والأباطيل السائدة وتصويبها لتصبح متوافقةً مع الدين المبين، وملائِمةً لهدي المؤمنين، وعند النظر والتأمل في نصوص الوحيين نجدهما حافلينِ بتناوُل هذه القضية في مجالات شتى، وصور مختلفة، فتعالَوْا -عبادَ الله- نقف مع جملة من الأمثلة الشاهدة لذلك، والدالَّة على تميُّز منهج دين الإسلام في بيان حقائق الأشياء:

صحح مفهومك: هذا هو المسلم الحقيقي:

 إخوة الإسلام المسلم: الحقيقي هو ذلك المسلم الذي سلم الناس من لسانه و يده و كذلك المؤمن هو من امنه الناس على أموالهم و أعراضهم استعموا أيها الأحباب إلى قول النبي الاواب –صلى الله عليه وسلم قال عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «سمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((تدرون مَن المسلم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((مَنْ سَلِم المسلمون من لسانه ويده))، قال: ((تدرون مَنِ المؤمن؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((مَنْ أمِنَه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم، والمهاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ فاجْتَنَبَهُ))» ([1]).

صحح مفهومك: (التدين المغشوش):

معاشر الموحدين: ومن مظاهر الفهم المغلوط وغير الصحيح قصر وحصر الدين في الصلاة والزكاة والصوم أو حصره في نوع من أنواع العبادة فقط ثم بعد ذلك يعربد المرء في خلق الله فهذا هو الالتزام المغشوش والالتزام الأجوف ولكن المسلم هو من ترجم العبادات والطاعات إلى أخلاق ومعاملات.................................

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أتدرون ما المفلِسُ؟))، قالوا: المفلِسُ فينا مَنْ لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ، فقال: ((إن المفلِسَ مِنْ أُمَّتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذف هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنِيَتْ حَسَناتُه قبل أن يُقْضَى ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فَطُرِحَتْ عليه، ثم طُرِحَ في النار))» ([2]) .

ما قولكم: هل تنفع الصلاة مع أكل مال الحرام؟ لا والله.

 هل ينفع الحج مع شتم الناس والطعن بهم؟

 هل تنفع الزكاة مع إيقاع النميمة بينهم؟ إيقاع العداوة والبغضاء؟

 لو تتبعت سلوك المسلمين كذب، غيبة، نميمة، أكل مال حرام، علاقات غير شرعية، لقاءات غير منتظمة، اختلاط، نزهات، يجلسون في أماكن توزع فيها الخمور، ينظرون إلى بعضهم بعضاً وهم عرايا، من ثياب الحشمة والفضيلة.

الدين منهج، يبدأ في علاقتك مع جسمك، في علاقتك مع زوجتك، مع أولادك، مع زبائنك، في بيعك، في شرائك، في لهوك، في سفرك، في حصرك، في إقامتك.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا! ‌قَالَ: " ‌هِيَ ‌فِي ‌النَّارِ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا! قَالَ: " هِيَ فِي الْجَنَّةِ "([3])

أيها الأخوة؛ فهؤلاء المسلمون الذين فهموا أن الدين صلاة, وصيام, وحج, وزكاة, هؤلاء فهموا الدين فهماً خاطئاً, كذلك لا بد من أن نرجع إلى فهم سيدنا جعفر بن أبي طالب, لما سأله النجاشي: حدثنا عن هذا الدين,: « فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَحْنُ نَعْبُدُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ.

‌وَأَمَرَنَا ‌بِصِدْقِ ‌الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ. »([4])

في ذات يوم أمسك سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بيد رجل في المسجد وقال للحاضرين: من منكم يشهد لهذا الرجل «أي يضمنه»؟

فقام رجل وقال أشهد بأنه رجل صالح ثم جلس.

فأوقفه عمر وقال له: هل أنت جاره الأقرب؟

فقال: لا. فسأله عمر: هل رافقته في سفر؟

 فقال: لا. فسأله عمر: هل عاملته بالدرهم والدينار؟

 فقال: لا.

فإذا بأمير المؤمنين يقول له: اجلس أيها الرجل الطيب فإنك لا تعرفه، ثم قال له عبارة لو أنصف عاقل نفسه لوضعها نصب عينيه في كل عمل يعمله أو قول ينطق به أو مجلس يجلسه أو جدل في الدين أو تعصب لرأي أو استخفاف بالرأي الآخر. قال عمر للرجل بعد ما رد شهادته: لعلك رأيته يتمتم بقراءة القرآن في المسجد فغرتك هذه التلاوة فظننت أنه رجل صالح! ([5]).

 معنى ذلك: لا ينبغي أن نتوهم أننا إذا صلينا الصلوات الخمس كنا دينين, أننا إذا صمنا رمضان كنا دينين, أننا إذا حججنا بيت الله الحرام كنا مسلمين, أننا إذا أدينا زكاة مالنا انتهى كل شيء, دينك يظهر في بيعك وشرائك, دينك يظهر في كلامك.

فتعال لنستمع سويا إلى النصيحة العمرية، وهو يضعنا أمام حقيقة ينبغي لكل مسلم أن ينتبه إليها، فيقول سيدنا عمر (رضي الله عنه): « لا تَغُرَّنَّكُمْ طَنْطَنَةُ الرَّجُلِ بِاللَّيلِ - يَعْنِي صَلاتَهُ - فَإِنَّ الرَّجُلَ كُلَّ الرَّجُلِ مَنْ أَدَّى الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ، وَمَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ » ([6])

صحح مفهومك: التدين ليس هو التشدد:

 أيها المسلمون عباد الله : و من المفاهيم المغلوطة التي أن البعض قد يشدد و يشدد على الناس و يظن أن ذلك هو الدين الحق فينفر الناس من الدين  و لكن الفهم الصحيح للدين انه دين يسر و سماحة لا دين تشدد و فظاظة عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ" رواه البخاري. ([7])

وحديث ابن الأدرع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة» رواه الإمام أحمد في المسند. ([8])

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ رَجَعَ - أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ: قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ، وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ ‌تَرَاقِيَهُمْ، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ عَلَى فُوقِهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللهِ وَلَيْسُوا مِنْهُ فِي شَيْءٍ، مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللهِ مِنْهُمْ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: " التَّحْلِيقُ "([9])

صحح مفهومك هذا أسوأ الناس سرقة:

 إخوة الإسلام و من المفاهيم التي وضحها لنا الحبيب المحبوب – صلى الله عليه وسلم – بيان أسوأ الناس سرقة عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أسوأ الناس سرقةً الذي يسرق صلاتَه))، قالوا: يا رسول الله وكيف يسرقها؟ قال: ((لا يُتِمُّ ركوعَها ولا سجودَها)) ([10]) .

صحح مفهومك ما عند الله خير و أبقى:

واعلموا بارك الله فيكم أن النبي صلى الله عليه وسلم يبن لنا أن ما نقدمه من صدقة هو الباقي الذي يدخره المسلم ليوم لقاء ربه

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كانت لنا شاةٌ أرادَتْ أن تموتَ، فذبحناها، فقسمناها، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((يا عائشة، ما فَعَلَتْ شاتُكم؟)) قالت: أرادت أن تموت فذبحناها، فَقَسَمْناها، ولم يَبْقَ عندنا منها إلا كَتِفٌ، قال: ((الشاةُ كُلُّها لكم إلا الكَتِف))» ([11]) .

والمعنى: أن ما تصدق به فهو الباقي، وما أكل فهو الفاني، فهنا يأتي التصحيح النبوي للمفهوم الخاطئ السائد؛ الذي يعتقد أن ما بقي من المال هو الذي لم يتم إنفاقه وبقي في حوزة صاحبه، في الوقت يظن فيه أن المال الذي تصدق به واستقر في يد المحتاج هو مال ذاهب وفانٍ ومفقود، وهذا الحديث جاء مُوَافِقًا لمدلول الآية السابقة: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ)[النَّحْلِ: 96]،

 صحح مفهومك: شهداء هذه الأمة كثر: البعض قد يظن أن الشهادة محصورة في القتل في سبيل الله فقط و لقد عدَ الصحابة ذلك فصحح لهم النبي صلى الله عليه وسلم ها الفهم و اخبره أن باب الشهادة واسع و لك من فضل الله تعلى على هذه الأمة المرحومة عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما تعُدُّون الشهيد فيكم؟))، قالوا: يا رسول الله، من قُتِل في سبيل الله فهو شهيد، قال: ((إن شهداء أُمَّتي إذًا لقليلٌ))، قالوا: فمَنْ هم؟ يا رسول الله؟ قال: ((مَنْ قُتِل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البَطْنِ فهو شهيد... ))» ([12]) .

صحح مفهومك: انصر أخاك ظالما أو مظلوم:

عن أنس رضي الله عنه، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((انصُرْ أخاكَ ظالِمًا، أو مظلومًا))، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصُرُه مظلومًا، فكيف ننصُرُه ظالِمًا؟ قال: ((تأخُذْ فوق يديه))» ([13]).

حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم على نُصْرة الأخ ظالِمًا كان أو مظلومًا، ممَّا أثار تعجُّبَهم وانتباههم لما سيُقدِّم لهم، فلما طرحوا تعُّجبَهم من نُصْرة الأخ ظالِمًا، جاء المفهوم الجديد والمخالف للمفهوم القديم بأن تكون نُصْرتُه أخْذًا على يده وكفًّا له عن الظلم، وفي هذا المفهوم الجديد تغيير جذري للمفهوم السابق، فمن اكتفى بعدم مشاركة الأخ الظالم في ظلمه؛ لا يُعَدُّ سالِمًا؛ بل هو مُقصِّر في عدم نُصْرة أخيه بمنْعِه من الظلم، فانظر لهذا المفهوم الجديد للنُّصْرة، وتأمَّلْ أسلوب التشويق المقدَّم به.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس الشديدُ بالصُّرَعة؛ إنما الشديد الذي يملِكُ نفسَه عند الغَضَب)) ([14]).

الغالب على مفاهيم الناس أن الشديد والقوي هو الذي يصرع الناس ويغلبهم في بدنه، هنا بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا المفهوم خاطئ؛ لأن عدم قدرة المرء على السيطرة على انفعالاته ضَعْفٌ وليست قوة؛ إنما القوة الحقيقية عندما يُسيطر المرءُ على الانفعالات الغضبيَّة مع قدرته البدنية.

صحح مفهومك النظرة الاجتماعية الخاطئة:

إخوة الإسلام ومن المفاهيم الخاطئة المغلوطة التي صححها لنا الله تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم تلك النظرة الاجتماعية القاصرة التي تقيم الناس على حسب ما يمتلكون من مال أو جاه أو حسب أو منصب لقد صحح لنا الله تعالى النظرة العقيمة في كتابه وصححها لنا النبي – صلى الله عليه وسلم

ففي قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[الْحُجُرَاتِ: 13]، بيان لِمَا كان عليه الناس في الجاهلية من التفاخر بالأنساب ومآثر الآباء والأجداد، فجاء الشرع بالمفهوم الصحيح للكرامة؛ فالتفاضل إنما يحصل بالتقوى، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، فلكما كان الإنسان محقِّقًا للتقوى كان ذلك كمالا في حقه، وهو الكريم حقا.

وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «مرَّ رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ما تقولون في هذا؟))، قالوا: حريٌّ إن خَطَبَ أن يُنْكَحَ، وإنْ شَفَعَ أن يُشَفَّعَ، وإنْ قال: أن يُسْتَمَعَ، قال: ثمَّ سكَتَ، فمرَّ رجلٌ من فقراء المسلمين، فقال: ((ما تقولون في هذا؟))، قالوا: حريٌّ إنْ خَطَبَ ألَّا يُنكَحَ، وإنْ شَفَعَ ألَّا يُشَفَّعَ، وإنْ قال ألَّا يُسْتَمَعَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذا خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا))» ([15]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليسَ الغِنى عن كَثْرةِ العَرَضِ، ولكن الغِنى غِنى النَّفْس)) ([16]).

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم

الخطبة الثانية

أما بعد: .......................................

صحح مفهومك للعمل الوظيفي والمال العام:

البعض يظن أن الوظيفة مغنم يغنم منه الموظف المال الكثير فيمد يده إلى المال العام بالسرقة أو الرشوة أو الاختلاس ويستحل ذلك بان الراتب لا يكفي وانه محتاج فيجمع الأموال و يضيع الحقوق و يهدر المال العام

عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا مِنَ الْأَسْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: " مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ عَلَى بَعْضِ أَعْمَالِنَا فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي، فَهَلَّا ‌جَلَسَ ‌فِي ‌بَيْتِ ‌أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ ". ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ»([17])

حذارِ - عبادَ الله - من خيانة الأمانة، والعبث بالمال العام؛ فقد سمَّاه الله تعالى سُحْتًا، وذمَّ اليهود الذين استحلُّوا الْمُحرَّمات: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 62]، والسحت يشمل كلَّ مالٍ اكتُسب بالحرام؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ رجالًا يتخوَّضون في مال الله بغير حقٍّ، فلهم النار يوم القيامة))([18])؛ [رواه البخاري]؛ أي: يتصرفون في أموال المسلمين بالباطل، ومثلُ هذا الوعيد يجعل المرء العاقلَ يفكِّر قليلًا في ماله: من أين اكتسبه؟ وفِيمَ أنفقه؟ حتى لا يعود عليهم بالضرر العاجل والآجل.

فقد روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الغُلُولَ، فعظَّمه وعظَّم أمره، قال: ((لا أُلفِيَنَّ أحدكم يوم القيامة على رقبته شاةٌ لها ثُغاء، على رقبته فرس له حَمْحَمَة، يقول: يا رسول الله، أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا؛ قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له رُغاء، يقول: يا رسول الله، أغِثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا؛ قد أبلغتك، وعلى رقبته صامِتٌ، فيقول: يا رسول الله، أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا؛ قد أبلغتك، أو على رقبته رِقاعٌ تخفِقُ، فيقول: يا رسول الله، أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا؛ قد أبلغتك))([19])

أين نحن من الوَرَع في حقوق العباد؟

فهذه قصة الشمعة والسراج حين وفد على عمر بن عبد العزيز رسولٌ من بعض الآفاق، فانتهى إلى باب عمرَ ليلًا، فقرع الباب، فخرج إليه البوَّاب، فقال له: أخْبِرْ أميرَ المؤمنين أن بالباب رسولًا من فلان عامله، فدخل وأخبر عمرَ وكان أراد أن ينام فقعد، وقال: ائذن له، فدخل الْمُرسَل فدعا عمر بشمعة غليظة، وأوقد عليها نارًا، وأجلس الرسول، وجلس عمرُ وقال له: قُلْ عن حال أهل البلد ومن بها من المسلمين وأهل العهد، وكيف سيرة العامل فيهم؟ وكيف الأسعار؟ وكيف أبناء المهاجرين والأنصار، وأبناء السبيل، والفقراء؟ وهل أعطى كل ذي حق حقه؟ وهل له شاكٍ؟ وهل ظَلَمَ أحدًا؟ فأنبأه بجميع ما علِم من أمر تلك الولاية.

حتى إذا فرغ عمر من مسألته قال له: يا أمير المؤمنين، كيف حالك في نفسك وبدنك؟ وكيف عيالك وجميع أهل بيتك؟ فنفخ عمر على الشمعة فأطفأها بنفخته، وقال: يا غلامُ، عليَّ بسراجي، فأتى بشمعة لا تكاد تضيء، فقال: سَلْ عما أحببتَ، فسأله عن حاله، فأخبره عن حاله وأهل بيته، فعجب الرسول للشمعة وإطفائه إياها، وقال: يا أمير المؤمنين، رأيتك فعلت أمرًا ما رأيتك فعلت مثله، قال: وما هو؟ قال: إطفاؤك الشمعة عند مسألتي إياك عن حالك وشأنك، فقال: يا عبدَالله، إن الشمعة التي رأيتني أطفأتها من مال الله ومال المسلمين، وكنت أسألك من حوائجهم وأمرهم، فكانت تلك الشمعة تَقِد بين يدي فيما يصلحهم وهي لهم، فلما صِرتَ لشأني وأمر عيالي ونفسي، أطفأت نار المسلمين، وأوقدت شمعتي التي هي خاصتي.

لا، فَلْيَفْقَهْ هذا الكلام من يعتبر سيارة الدولة التي خُوِّلت له ليقضي بها مصالح المسلمين كأنها سيارته الخاصة، يقضي بها مآربه ومآرب زوجته وأبنائه، ومن يعتبر الخط الهاتفي في مكتبه الذي وُضِعَ رهنَ إشارته لتسهيل قضاء مصالح الناس كأنه خطه هو، يتصل منه في حاجاته الخاصة ولا يبالي، ومن يسخِّر الموظفين الذي جُعِلوا تحت يده، ويتقاضَون أجرًا من الدولة كأنهم موظفون عنده، ينقلون الأولاد إلى المدرسة، ويشترون أغراضه الخاصة من السوق.

صحح مفهومك: الزواج ليس صفقة .. بل علاقة مقدسة تقوم على الحب والمودة والرحمة:

الزواج كما أراده الله مودة ورحمة وليس صفقة تجارية   الزواج علاقة روحية ترتبط بين رجل وامرأة  لا علاقة له بأي شيء مادي واذا ارتبط بأي شيء مادي  خرج عن مفهوم الزواج واعتبر الزواج مجرد وسيلة للوصول للحصول على ذلك الشيء المادي  ............ إن رفع المهور والمغالاة في متطلبات الزواج مسألة ليس لها أي علاقة لا بالدين الحنيف الذي أكد على تيسير الزواج ولا بالقانون بقدر ما هي عادات وتقاليد اجتماعية وثقافية، لذلك لابد من زيادة الوعي والتخلي عن هذه العادات، كافة المشتريات التي اشتراها الزوجان وتكتب باسم الزوجة، لافتًا إلى أن المهر يحدد وفقا لإمكانيات الرجل وليس على قيمة الفتاة.

قال تعالى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21]

عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ مِن يُمنِ المرأةِ تَيسيرَ خِطبتِها، وتَيسيرَ صَداقِها، وتَيسيرَ رَحِمِها)([20])

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " ‌لَوْ ‌أَنَّ ‌رَجُلًا ‌أَعْطَى ‌امْرَأَةً ‌صَدَاقًا مِلْءَ يَدَيْهِ طَعَامًا كَانَتْ لَهُ حَلَالًا "([21])

الدعاء..................................



[1] - مسند أحمد: 2/ 206.

[2] -صحيح مسلم برقم 2581.

[3] - «مسند أحمد» (15/ 422 ط الرسالة):وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (119)، والبزار (1902 - كشف الأستار)، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" (385) و (616)،»

[4] - المسند 3/ 263 (1740)، والمعجم الكبير 2/ 109 - 111 (1478، 1479)

[5] - بن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: (6/ 491).

[6] - مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا : (ص: 89)، برقم (269).

[7] - أخرجه: البخاري 1/ 16 (39) و8/ 122 (6463).

-[8] أخرجه أحمد (19180)، وابن سعد (5/ 142).

[9] -«مسند أحمد» (21/ 51 ط الرسالة)«أخرجه أبو داود (4765)، وأبو يعلى (3117)»

[10] -مسند أحمد: 3/ 56.

[11] -السنن الكبرى للبيهقي: 9/ 250.

[12] -صحيح مسلم برقم 1915.

[13] -صحيح البخاري برقم 2444.

[14] -صحيح البخاري برقم: 6114.

[15] -البخاري برقم 5091.

[16] -صحيح مسلم برقم 1051.

[17] - أخرجه الشافعي في "الأم" 2/ 58، وفي "المسند" 1/ 246 - 247، والحميدي (840)، وابن أبي شيبة 12/ 494، والبخاري (2597) و (7174)، ومسلم (1832) (26)

[18] - رواه البخاري 6/ 153 في الجهاد، باب قول الله تعالى: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ [الأنفال: 41]، والترمذي رقم (2375) في الزهد، باب: ما جاء في أخذ المال بحقه.

[19] - البخاري (6/ 214، 215، رقم: 3073)، وأخرجه مسلم (3/ 1461 رقم: 1831).

[20] - أخرجه أحمد (24478) واللفظُ له، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (3612)، والحاكم (2739). ذكر ابنُ عَدِيٍّ في ((الكامل في الضعفاء)) (2/78) أنَّ فيه أسامةَ بنَ زيد الليثي: أرجو أنَّه لا بأس به. وصحَّحه الحاكمُ على شرط مسلم، وقال أبو نُعَيم في ((حلية الأولياء)) (3/191): ثابتٌ من حديث صفوانَ وعُروةَ، تفرَّد به أسامةُ. وجَوَّد إسنادَه العراقيُّ في ((تخريج الإحياء)) (2/52)، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (4/258): فيه أسامةُ بنُ زيدِ بن أسلم، وهو ضعيفٌ، وقد وُثِّقَ، وبقيَّةُ رجاله ثقاتٌ. وجَوَّد إسناده السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (244)، وصَحَّح الحديثَ الألباني في ((صحيح الجامع)) (2235).

[21] - إسناده ضعيف لضعف صالح بن مسلم بن رومان. يونس: هو ابن محمد المؤدب. وأخرجه الدارقطني 3/ 243، والبيهقي 7/ 238 من طريق عباس بن محمد الدوري، عن يونس بن محمد، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود (2110 والخطيب في "تاريخ بغداد" 6/ 365

القول السليم لتصحيح المفاهيم.pdf

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطبة فيض الإله بخلق المواساة.pdf

الحقوق العشر للوطن في الإسلام

خطبة الحفاظ على الأوطان من المعاصي التي تدمر البلدان.pdf